في عالم المطاعم العالمية الفاخرة، لا يشكل الإتقان التقني والتعليم النظري سوى شرطين أساسيين. أما التحدي الأبرز فيكمن في "الترجمة الطهوية" – أي القدرة على اختيار الأساس الكلاسيكي وجعله يتكيّف مع متطلبات بيئة عمل ذات وتيرة سريعة وغير عادية، من دون المساس بجوهر الطبق.
وبالنسبة إلى الشيف التنفيذي إفغينيوس باباديمتريو وشيف المطبخ دايفيد بانغ –الفريق الذي يقف خلف إبداعات مطعم تاتو دبي الذي تم افتتاحه مؤخراً - يشكل التواضع الثقافي والقيادة الذكية والشغف بالتعلم أبرز سمات الطاهي الشاب.
في الواقع، يتميز الطاهيان البارعان بخبرة تشكلت خلال عملهما في مطاعم حائزة على شهادة كوردون بلو وعلى نجوم ميشلان. ويحرص الخبيران على تشارك نصائحهما مع الطهاة الشباب الذين يبدون اهتماماً كبيراً بتتويج مسيرتهم بالعمل في مطابخ عالمية. وهما يؤكدان أن هذا المسار المهني لا يرتبط بمهارة استخدام السكين فقط، بل بالذكاء العاطفي، بالطاقة المنضبطة في أوساط فريق المطبخ، وباحترام أساسيات النكهات الآسيوية الخمس.
وهنا، يقدم كل من باباديمتريو وبانغ نصائح مهمة جداً حول كيفية بناء فريق عالمي المستوى، وتطوير حضور أصيل في مجال صناعة تتطلب التطور الدائم.
نصائح مهنية للطهاة الشباب
انطلاقاً من خبرتكما المشتركة التي تشكلت خلال إطلاقكما مطعماً رائداً في منطقة جديدة، ما أبرز الصفات (إضافة إلى المهارات التقنية) التي تهتمان بها أثناء تشكيلكما فريق عمل متعاوناً وعالي الأداء؟ وما الذي يتعين على الطهاة الشباب تطويره خلال مسيرتهم المهنية في قطاع الطهو العالمي؟
الشيف دايفيد بانغ: أبرز النصائح غير التقنية التي أقدمها لهؤلاء هي تطوير الذكاء العاطفي ومهارات التواصل. ففي مطبخ يشهد حالة من الضغط المستمر، لا تبدو الموهبة عنصراً كافياً – في هذه الحالة تصنع طريقة عملك مع الفريق، تعاملك مع الضغوط، وكيفية حلّك للمشكلات الفرق بشكل واضح. كذلك يكسبك التحلي بالموضوعية، التواضع، وسهولة التواصل الاحترام والثقة. وهذا ما يسمح لك بالتعلم السريع، بتحمل المسؤولية، وبالتطور في مجال الضيافة الفاخرة.
الشيف إفغينيوس باباديمتريو: أكثر النصائح التي يمكنني تقديمها أهمية هي الحفاظ على الفضول واحترام المطبخ موضوع التدريب.
فإلى جانب المهارات التقنية، تبدو الشخصية أبرز ما أبحث عنه أثناء تشكيل فريق طهو متميز. في الواقع، يمكن اكتساب المهارات، لكنّ اعتماد الموقف الإيجابي، واتباع أخلاقيات العمل، والالتزام بطريقة تعامل لائقة في المطبخ، تحدث فرقاً كبيراً. فأنا أبحث عن الأشخاص الإيجابيين، الفضوليين، المحترمين، والراغبين في التطور. وعند جمعك الشخصيات المناسبة، يصبح فريقك متماسكاً، متحفزاً، وقادراً على تحقيق الإنجازات وأداء كل المهمات.
شيف إفغينيوس، ما النصيحة الواحدة الأكثر أهمية والتي يمكنك تقديمها للطهاة الشباب الذين يقومون بخطواتهم الأولى على طريق مسيرتهم المهنية، من أجل تطوير هويتهم في مجال الطهو، ولا سيما عند تعاملهم مع مطبخ غير محلي مثل المطبخ الآسيوي؟
الشيف إفغينيوس باباديمتريو: تبدأ هويتك في مجال الطهو بالتشكل تلقائياً في حال كنت تمتلك أساساً متيناً. لكن يتعين على المبتدئين اكتساب المعرفة من خلال طرح الأسئلة، التذوق المستمر، والحفاظ على الانفتاح الذهني. ففي حال كنت من هؤلاء وحافظت على تواضعك وفضولك، ستتمكن من تطوير حضورك بطريقة أصيلة ومبدعة في آن.
شيف دايفيد، ذكرت أنه تم تصميم قائمة تاتو لتعكس أجواء "شوارع آسيا الصاخبة والنابضة بالحياة" من خلال تجربة الطعام. فكيف تغرس هذا الشعور بالالتزام والحماس والدقة في أوساط فريق طهو يعمل في أجواء ضاغطة؟ وماذا عنك شيف إفغينيوس باباديمتريو؟
الشيف دايفيد بانغ: يعتبر التواصل الواضح واحترام الوقت أمرين أساسيين في هذا السياق. فكما تتحرك شوارع آسيا بوتيرة ديناميكية ثابتة، أحرص على أن يعمل الفريق بانسجام تام، حيث يتوقع كل من أفراده تحركات الآخرين، فينبض المطبخ بطاقة منظمة.
شيف إفغينيوس باباديمتريو: أثناء عملك في مطبخ غير محلي مثل المطبخ الآسيوي الحديث، ليس عليك الاستعجال لتشكيل أسلوبك الخاص. في الواقع، عليك الاستفادة من الوقت لفهم الأسس والنكهات والتقنيات والثقافة والفلسفة الكامنة وراء الطعام.
شيف إفغينيوس باباديمتريو، لا شك في أن الانتقال من المطبخ الأوروبي إلى المطبخ المستوحى من ثقافة الطعام الآسيوية، أمر مهم جداً. فما هي تقنيات الطهو الآسيوية الأساسية التي تعين عليك إتقانها، أو ربما التخلي عنها مع انطلاق مسيرتك المهنية؟
شيف إفغينيوس باباديمتريو: شكل الانتقال من المطبخ الأوروبي إلى ذلك المستوحى من المطبخ الآسيوي خطوة نوعية. ربما كان الأمر أشبه بتغيير لغة الطهو. وقد كان عليّ تعلم بعض التقنيات الأساسية من الصفر والتخلي عن بعض العادات المرتبطة بمسيرتي الغربية.
وكان فهم التوازن أحد أبرز التحديات التي واجهتها. فأثناء العمل في المطبخ الغربي، نصنع أطباقنا معتمدين على الغنى، الزبدة، العمق والنكهات التي تتراكم تدريجياً. في الواقع، يتطلب إتقان المطبخ الآسيوي مقاربة مختلفة تماماً: التوازن بين الحلو، الحامض، المالح، الحار، والأومامي حيث تتم إضافة هذه النكهات بدقة متناهية. بالفعل، علمني تحقيق التوازن بين هذه المذاقات إعادة التفكير في بنية الطبق كاملةً.
ويشكل استخدام السكاكين تجربة مختلفة تماماً. كذلك تمثل الدقة، السرعة، والاتساق التي تعتبر عناصر ضرورية في المطبخ الآسيوي أمراً مختلفاً تماماً.
وأخيراً كان عليّ أن أتخلى عن فكرة مفادها أن التعقيد يتطلب الوقت. ففي المطبخ الآسيوي تكمن أقوى النكهات أحياناً في السرعة والدقة والنضارة، وليس في ساعات الطهو البطيء.








