سفر وإقامة

مفاجآت عسير مع هيلين إلفر

قامت كاتبة مقالات السياحة والسفر، هيلين إلفر، برحلة بمفردها إلى عسير حيث اكتشفت أن جبال المنطقة لا تقل روعة عن السكان، وأن الضيافة السعودية لا تقبل الأعذار وتشكل جزءًا من ذاكرة لا تُنسى

بواسطة /
16 يوليو 25
مفاجآت عسير مع هيلين إلفر

الاختبار الفعلي الذي قد تواجهينه أثناء السفر بمفردك إلى بلد جديد هو أن تصلي إلى المطار عند الساعة 4 صباحاً من دون حجز مسبق ومن دون طلب سيارة أوبر لتقلك إلى وجهتك. قد تكون هذه اللحظة مرهقة للأعصاب في أي مكان تذهبين إليه، فتتساءلين: هل سأجد سيارة بسهولة؟ هل سأتمكن من التواصل مع الناس؟ وهل سأشعر بالأمان بصفتي امرأة تسافر بمفردها؟

لحسن حظي، كان ذلك المكان مطار أبها الدولي، وكنت على وشك متابعة دورة مكثفة في مجال الضيافة السعودية. بالفعل، تلاشت مخاوفي حين أرشدتني امرأة بلطف إلى مكتب سيارات الأجرة حيث يعمل شابان يتحدثان اللغة الإنكليزية بأفضل الطرق. وبفضلهما تمكنت من حجز سيارة في غضون دقائق قليلة. ومن دون علمي، كانت سيارتي تسير بسرعة على طرق سهلة محاطة بالأشجار، وتتجه إلى وسط مدينة أبها معلنةً بدء مغامرتي السعودية.

طبيعة خلابة وترحيب دافئ

وصلت إلى هنا لأعيش تجربة السياحة في عسير، المنطقة الجبلية حيث يحرص السكان المحليون على قضاء عطلاتهم منذ مدة طويلة، والتي تتميز بخضرتها ومناظرها الساحرة وجمالها الأخاذ، وبمناخها الأكثر برودة في المملكة (اكتشفت لاحقاً أن السعوديين يعبّرون عن دهشتهم كلما ذُكرت هذه الجبال).

وبعدما سمعت كثراً يتحدثون عن المشهد السياحي المتنامي في البلاد، أردت عيش التجربة مسافرةً بمفردي أولاً. وقصدت عسير تحديداً، أي المنطقة التي يرتبط اسمها بالتقاليد وبالطبيعة الخضراء. إذاً ذهبت إليها وعرفت أن ارتداء العباءة والحجاب أصبح أمراً اختيارياً في السعودية. لذا، وضعت في حقيبتي سراويل الجينز العادية، عدداً من قمصاني وبعض الفساتين الطويلة – أي ملابس تحترم ثقافة البلاد وتشعرني بالراحة.

عودة إلى الماضي

ارتديت ملابس مريحة مع كنزة دافئة، توجهت إلى الجبال لاستكشاف جبال ألمع، القرية التراثية التي تعود بتاريخها إلى 90 عاماً مضت. ولاحظت أنه تم بناء منازلها وحصونها القديمة على سفح جبل في محيط ساحة أو مطل. وبدت هذه المنازل شامخة ومذهلة. وهنا برز التناقض بين لون حجارة البازالت وألوان النوافذ والأبواب الزاهية المحاطة بإطار بلون السكّر الأبيض. وكان تأثير القرية التي تُعرف باسم "قرية خبز الزنجبيل" مذهلاً. وفيما كنت أسير في اتجاه حافة المنطقة التراثية المرممة، تمكنت من رؤية المكان حيث بدت بعض الأعمال الحجرية الأصلية كما هي، إلى جانب أغصان الكرمة الخضراء الزاهية التي تزحف فوق الجدران المتداعية والأشجار التي تنمو وسط قطع الطوب. وهنا كانت عائلة من قرود البابون البرية تجلس على الأنقاض، تمضغ شيئاً ما وتنظر إلى الوديان السابحة في أشعة الشمس خلفها – لقد كان المنظر ساحراً.

لمحة تاريخية

كانت محطتي التالية في قصور أبو سراح التاريخية. وعرفت أن أجيالاً من عائلة واحدة أقامت في هذه الأبنية الثلاثة المهيبة منذ سنوات ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وأنه تم تجديدها لتتحول إلى معالم سياحية منذ خمس سنوات فقط. وقد أسعدني أن أرافق عبد العزيز أبو سراح، ابن الجيل السادس من العائلة الذي أخبرني أن والده يتذكر القصور كما كانت عليه في السابق. كان الإحساس بالتاريخ قوياً أثناء استكشافنا حظيرة الماشية (ما زالت تفوح منها رائحة الإبل) ومساكن النساء حيث وضعت زجاجات العطر القديمة الرائعة وعبوات كحل العيون. أما أكثر ما أثار إعجابي فهو المجلس حيث تمت تغطية الأرضية بالسجاد، واصطفت وسادات ناعمة على امتداد الجدران، وتدلت فوانيس منخفضة من السقف. لقد كان من السهل أن أتخيل هذه القاعة الرائعة ممتلئة بحضور قادة المنطقة وهم يشربون القهوة السعودية ويناقشون مواضيع الساعة السياسية. ولا أنسى الممشى المفتوح الذي يمتد بين قصرين ويتصل بشرفة مطلة على الحقول المنتشرة في الأسفل. وقد شدّد عبد العزيز على أنها كانت أجمل إطلالة في عسير وكان من الصعب أن أخالفه الرأي.

تجربة طهو لا مثيل لها

في اليوم التالي توجهت إلى قرية طبب للقاء الشيف الشهيرة مها ولتذوق بعض الأطباق الأصيلة من مطبخ جنوب السعودية. وقد التقينا في منزل قريبتها الصغير الساحر حيث كانت القطط تستلقي في الحدائق المجاورة الرائعة فيما كانت الشيف تحضر وجبة فطوري الجنوبية الكلاسيكية. وكانت الأطباق البارزة – مثل الجريش والعريكة – بمثابة أعمال فنية مزينة بالعسل والتمر ولوحات تعكس ألوان المنطقة الترابية الدافئة. وحين جلسنا أرضاً لتناول الطعام، أرتني مها الطريقة القديمة لتشارك الأطباق والأكل بواسطة الأصابع مشيرة إلى أن هذا يساعد على الاستمتاع بنكهاتها الغنية والمدخنة. وتحدثنا عن ثقافة الطعام في السعودية، وعرفت أن العديد من أطباق المنطقة يحتوي على كثير من السعرات الحرارية، وأنها كانت في الماضي توفر الطاقة للأشخاص الذين كانوا يعملون لساعات طويلة في الأرض. وقبل أن أغادر، قدمت لي الشيف مها هدية مفاجئة: وشاح عسيري تقليدي أصفر كان ملكاً لوالدتها. لقد تأثرت حقاً وعزمت على ارتدائه خلال رحلاتي لاحقاً.

تسلق أعلى قمة في السعودية

لم يكن عليّ زراعة الأرض، لكنني شعرت بالحاجة الماسة إلى سعرات الجريش لأنفذ مخطط ما بعد الظهر – الرحلة إلى الجبال. وقد اصطحبني دليلي رائد على مسار عقبة القرون الهادئ في جبل السودة، أعلى جبال المملكة. وعلى طول المسار، لم ألتقِ سوى عدد قليل من هواة الهايكنغ الذين ألقوا عليّ تحية "السلام عليكم" الودية. وواصلنا السير، تسلقنا الصخور وتجاوزنا أشجار العرعر المتشابكة تحت السماء ذات اللون الأزرق الزاهي. وحينها تحركت الغيوم قليلاً لتكشف مشهد القمم الجبلية الوعرة، والواجهات المنحدرة، والأودية الخضراء. ومع اقتراب فترة ما بعد الظهر من نهايتها، جلست على صخرة مسطحة، فيما كان الضوء الذهبي الساحر يغمر وجهي، وشاهدت الشمس وهي تختفي خلف الجبال. ورحت أتنشق الهواء النظيف النقي وشعرت بسعادة لا حدود لها وبأنني أقف على قمة العالم بكل ما للكلمة من معنى.

فنّ عسيري

لم يتبقَ سوى يوم واحد، وكنت أتوق لفهم الأعمال الفنية الرائعة التي شاهدتها أثناء جولتي في عسير. وهي أشكال هندسية زاهية تبدو كزخارف رأيتها في كل مكان ذهبت إليه، من جدران أبو سراح إلى نقوش أبواب رجال ألمع، فالمفروشات والأباريق، وأدوات المائدة وغيرها من المقتنيات التي تظهر في مختلف أنحاء أبها. وهكذا توجهت إلى متحف القط العسيري في أبها لأعرف المزيد عن الإبداع في المنطقة. وعلمت أن القط العسيري هو فن تقليدي ذو دلالة رمزية مهمة، حيث تقوم النساء برسم الأشكال لتزيين منازلهن. كما عرفت أنه كان يتم استخراج الألوان الجريئة مثل الأحمر، الأخضر، الأصفر، الأزرق، الأسود، والأبيض من الزهور، الصخور، والأعشاب المطحونة. وقيل لي إن المثلثات تمثل النساء، واكتشفت أن المربعات تعبّر عن الختمة، أي ختمة القرآن والفروض الدينية، وأن الأمشاط تعني المساواة بين الناس. ولاحظت أنه تم رسم الأشكال بشكل عفوي – رغم تعقيدها وتناسقها الظاهرين. بالفعل لا يتم التخطيط قبل البدء، والنتيجة مذهلة، وهي شهادة على إبداع نساء المنطقة وذكائهن.

تأمل وتواصل

Helen Elfer Solo in Saudi Asir 5

غادرت أبها ذلك المساء وأنا أشعر بالذهول أمام ما شاهدته، وأدرك الاختلاف الكبير بين ثقافتها الحقيقية وما توقعت رؤيته قبل وصولي إليها. فقد ظهرت تقاليد عسير في ما يرتديه الناس، حيث اختارت كثير من النساء ارتداء النقاب على سبيل المثال. ورغم ذلك، وخلال رحلتي، شعرت بالراحة التامة وحرصت على اختيار ملابس تحقق التوازن بين حساسية الثقافة السائدة في المنطقة وأسلوبي الخاص. وتبيّن لي أن معظم النساء اللواتي التقيتهن خلال جولتي يعرفن الكثير عن السفر، وقد تحدثن عن مغامرات عشنها في الخارج، ما يظهر تنامي الاهتمام السعودي بالعالم.

أعجبني أيضاً ما يبديه الناس هناك من كرم ولطف تجاه السائح الغربي. فقد أخلى فريق العمل نادي الفندق المخصص للرجال فقط لأتمكن من ممارسة التمارين بارتياح تام (يمكنني بالتأكيد اعتياد ذلك). كذلك رافقني صاحب متجر من جازان إلى مقهى للفلافل كنت أبحث عنه، وقدم لي باعة الأكشاك في السوق أربطة للشعر، وجبات خفيفة، أكواب قهوة، ومسابح صلاة. شعرت بأنني سعيدة الحظ حين حظيت بهذا الترحيب الحار في هذا الجزء الجميل من العالم، ولا يسعني انتظار العودة إليه مجدداً.


تصوير رائد الشهري

إنستغرام هيلين إلفر: helenelfer@