مشاهد ونشاطات

هل أصبح لعب الماهجونغ في الفنادق الفاخرة بديلاً لأخبار الهواتف المزعجة؟

تشهد لعبة الماهجونغ التي تنتقل اليوم من المنازل إلى ردهات الفنادق الأنيقة، حالة من الانتعاش. لكن خلف قطع اللعب المميزة ومجموعاتها العصرية، يكمن معنى أعمق: تزايد الرغبة في بناء تواصل حقيقي في عالمٍ نادراً ما يتوقف عن التصفح الرقمي

بواسطة /
26 أكتوبر 26
هل أصبح لعب الماهجونغ في الفنادق الفاخرة بديلاً لأخبار الهواتف المزعجة؟
الماهجونغ لعبة قديمة تشهد اهتماماً متزايداً في أماكن الضيافة الفاخرة. المصدر: Unsplash

لم تختفِ الألعاب الاجتماعية مثل الكرة الحديدية، البلياردو والبريدج بشكل تام، لكنها لا تجذب حالياً كثيراً من الهواة. فهي ترتبط ذهنياً بكبار السن ولا تشكل جزءًا من اهتمامات الشباب. وفي الزمن الحالي، قد تجتمع العائلة لتناول وجبة عادية، حيث يجلس كل أفرادها معاً ويتبادلون الأحاديث العابرة، فيما تركّز أنظارهم، في الوقت نفسه، على ما تعرضه شاشات هواتفهم. ورغم هذا، وفي إطار هذا التحول، يبرز اهتمام متزايد باللقاء حول لعبة ما.

وهنا، تظهر الماهجونغ. وهي لعبة صينية تقليدية تعتمد على سحب القطع والتخلص منها لتشكيل مجموعة فائزة. وتشهد هذه اللعبة حالياً عودة لافتة حيث باتت تجذب اللاعبين الصغار وتنتشر في النوادي الاجتماعية، بل إنها تجد طريقها إلى عدد متزايد من الفنادق الفاخرة. لذا، أصبحت حاضرة في الردهات الأنيقة التي تتميز بإضاءة خافتة، وفي برامج اللقاءات الخاصة المنظمة والأنشطة الاجتماعية التي تقام في المنتجعات الراقية. كذلك عمدت الشركات المنظمة للرحلات البحرية إلى إدراجها ضمن فقراتها الترفيهية التي تقدم على متن السفن لتتيح للمسافرين الاستمتاع بهذا النشاط خلال المدة الفاصلة بين الجولات السياحية، وأثناء جلسات الاستجمام وتناول المشروبات لحظة الغروب.

ويبدو أنه لم يتم اختيار توقيت هذه العودة الثقافية والاجتماعية مصادفةً. ففيما يتم قياس أهمية السفر حالياً بحسب مكان الإقامة والذكريات التي تبقى عالقة في الأذهان في آن، تقدم لعبة الماهجونغ تجربة واقعية ملموسة ورائعة: فهي تمنحك سبباً للقاء الآخرين حول الطاولة، لوضع هاتفك جانباً، وللانغماس لساعات في حالة من التركيز الهادئ أو ربما في حوارات غنية وعميقة.

تمرّد على التصفح المستمر

يختبر معظمنا ذلك الشعور الذي ينتابنا ما أن نمسك بالهاتف لمعرفة الوقت ثم ننتقل تلقائياً إلى تطبيق واتساب، قبل أن نتفقد رسائل البريد الإلكتروني ونكتشف، بعد مرور 20 دقيقة، أننا غرقنا في دوامة مواقع التواصل الاجتماعي... وفي النهاية، لم نعرف "كم الساعة". فقد صممت وسائل التواصل والترفيه الرقمي لجذب انتباهك ولإطالة مدة تصفحك قدر الإمكان. لكن لعبة الماهجونغ تقدم نهجاً مختلفاً تماماً حيث تفرض على اللاعبين مراقبة قطع اللعب، التركيز، تذكر ما تم استبعاده، وضع الاستراتيجيات، دراسة الخيارات المتاحة، والاستجابة لاختيارات اللاعبين الآخرين وتحركاتهم. فهو إيقاع مشترك حيث يشكل اللاعبون جزءًا أساسياً من التجربة.

ولا شك في أن الانخراط في نشاط منظم يجعل الابتعاد عن الشاشات أمراً أكثر سهولة من إرغام الذات على استخدام الهاتف لمدة أقصر. فبدلاً من الاكتفاء باستبعاد الشاشة، توفر اللعبة بديلاً جذاباً يستحوذ على اهتمامنا. كما أنها تنطوي على فوائد اجتماعية، إذ يجلس أربعة أشخاص حول الطاولة حيث يجمعهم هدف مشترك، وإن لم يلتقوا من قبل. وتشكل القواعد نقطة انطلاق للحوار، وتتضمن اللعبة فترات توقف طبيعية، فيما تمنح الأخطاء – التي لا مفر منها- الجميع فرصة للضحك.

قد يكون لقاء أشخاص جدد وخوض أحاديث ممتعة فكرة بسيطة. لكن هذا يزداد أهمية في الزمن الحالي. ففيما نستعيد مهارات التواصل الاجتماعي المباشر وجهاً لوجه، تشكل الأنشطة الجماعية الواقعية حلقة وصل مريحة. وبدلاً من المقدمات المتكلفة، توفر قطع اللعبة محور اهتمام مشترك، ما يسمح بنشوء صداقات حقيقية وتلقائية حول الطاولة. وخلافاً لفعاليات التواصل المهني، لا يحتاج أي لاعب إلى شرح طبيعة عمله أو مهنته قبل بدء الجولة الأولى.

من تقليد عائلي إلى هواية مشتركة

المصدر: Unsplash
المصدر: Unsplash
mahjong jason-leung-l0QK8bNzDAc-unsplash

نشأت لعبة الماهجونغ في الصين في أواخر القرن الـ19 وانتشرت عالمياً بحلول القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، تطورت هذه اللعبة واتخذت أشكالاً إقليمية متنوعة، وبات لكلّ من هذه الأشكال قواعده وتقاليده الخاصة. وفي أوساط العديد من الأسر والمجتمعات الصينية، أصبحت اللعبة جزءًا لا يتجزأ من التجمعات، الاحتفالات والحياة اليومية.

وبالنسبة إلى بعض اللاعبين، تنطوي اللعبة على دلالات تراثية عميقة، فهي تمثل تكريماً هادئاً للأجداد والأقارب الذين تمحورت لقاءاتهم دائماً حول طاولة رصفت عليها قطع اللعب. وبالنسبة إلى بعضهم الآخر، تشكل الماهجونغ هواية جديدة تماماً تتيح لهم فرصة لافتة لشحذ الذهن والانفصال عن الأجهزة الرقمية دائمة الحضور في يومياتنا. إذاً يرتبط بروز اللعبة حالياً بتراثها العريق، وإن كان يتم في سياق عصري.

ويؤدي السياق المحلي دوراً مهماً في هذا الإطار. ففي المدن حيث يقيم سكان ينتمون إلى بلدان مختلفة كما في الدوائر الاجتماعية، يمكن الهوايات المشتركة أن تساهم في بناء الصداقات. في الواقع، لا تتطلب الجلسات الممتعة حول طاولة الماهجونغ حضور لاعبين يتحدثون اللغة نفسها أو يتشاركون الخلفية الاجتماعية أو المهنية نفسها، وإن كان تعلّم بعض القواعد والتواصل يحتاج إلى بعض الممارسة.

ربما يعتبر هذا أحد الأسباب التي تجعل عودة الماهجونغ أكثر من موضة عابرة. فهي توفر للاعبين فرصة استعادة أمر مألوف: تلك المتعة التي كادت تندثر، أي عيش الحياة بعيداً عن العالم الرقمي. فهي تعيد إحياء – أو تتيح للمرة الأولى – تجربة الانتماء إلى مجموعة يلتقي أفرادها بانتظام ويتشاركون طقساً خاصاً. كذلك تمنح اللعبة الأشخاص الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة فرصة عقد اللقاءات.

لمَ تهتم الفنادق الفاخرة بهذه اللعبة؟

The Penninsula London Mahjong

لطالما شكلت الفنادق الفاخرة أماكن مناسبة للقاءات. فقد صممت باراتها، مطاعمها، مكتباتها وردهاتها، بطريقة مدروسة، لتشجيع الضيوف على البقاء لمدة أطول.

وتضفي لعبة الماهجونغ على هذه الأجواء بعداً مختلفاً. كما تشكل برنامج تفاعلياً خاصاً يجذب السكان والمجتمعات المحلية والزوار على حد سواء. وهنا تشجع جلسات اللعب المنتظمة هؤلاء على زيارة المطعم بشكل متكرر، كما قد تتحول إلى سبب لحجز الإقامة لمدة أطول.

وقد تبنّى العديد من صروح الضيافة الفاخرة حول العالم الماهجونغ كجزء من خدماته. لذا، أطلق فندق بيل إير، من دورشستر كولكشن، في خريف 2026، سلسلة جلسات ماهجونغ أميركية بالتعاون مع أوه ماي ماهجونغ والمدربة كارولين ليرتزمان. وتقام الجلسات في ردهة ليفينغ روم في الفندق، حيث تقدم تعليمات الخبيرة، إلى جانب مجموعة متغيّرة من قطع وسجادات الماهجونغ الموقعة من العلامة التجارية.

mahjong-curates-2

ومن الولايات المتحدة الأميركية إلى آسيا تبنت علامة كمبتون نهجاً أوسع من خلال برنامج ماهجونغ آند مينغل، حيث تقدم مجموعات موقعة من الفنانة لولي والاس في فنادق مختارة تابعة لها. ويتم إطلاق هذه المبادرة في عدد من أماكن الإقامة الحضرية والمنتجعات، ما يتيح للضيوف فرصة اللعب في الصالات أو استعارة مجموعات خاصة بغرفهم في فنادق مشاركة. وينسجم هذا المفهوم ومكانة العلامة الاجتماعية كوجهة بوتيكية. وفي آسيا، موطن اللعبة، جعل العديد من الفنادق الفاخرة الماهجونغ جزءًا من تجارب الضيوف: ففي كابيلا سنغافورة، تقدم تجربة ماهجونغ مانيا للضيوف من خلال دروس خاصة أو جماعية بإشراف خبير محلي. وتشمل هذه الدروس القواعد والاستراتيجية التي يمكن اتباعها قبل أن يبدأ الضيوف اللعب بأنفسهم.

أما في لندن فيوفر فندق بيننسولا لندن إحدى أكثر جلسات الماهجونغ تميزاً في المدينة، من خلال تجربة ماهجونغ موندايز التي تقدم في كانتون بلو. وقد تم افتتاح هذا النادي في سبتمبر 2026، وهو يدعو الضيوف إلى اللعب في لاونج الشاي بالاعتماد على قطع لعب تم تصميمها بطريقة خاصة بالتعاون مع كاثي باسيفيك وورشة نجارة كائنة في هونغ كونغ.

الجميع حول طاولة الماهجونغ

تشكل السفن السياحية بيئة مثالية لهذه اللعبة. فأيام الإبحار تتضمن أوقاتاً حرة حيث يمكن الركاب الاستمتاع دائماً بالنشاطات الاجتماعية من دون الشعور بالإرهاق البدني أو الالتزام بجدول زمني محدد. وكما هي الحال في الفنادق الفاخرة، تناسب لعبة الماهجونغ أجواء هذه السفن تماماً، إذ يمكن عقد جلساتها في ردهة الاستراحة، غرفة الألعاب، أو المنطقة المخصصة للأنشطة المختلفة. وهكذا تجمع الطاولة الضيوف الذين قد لا يلتقون خارجها.

ومؤخراً، وخلال رحلة بحرية تم تنظيمها في البحر الأبيض المتوسط، شاهدت طاولة ماهجونغ تجمع لاعبين من أجيال مختلفة في معظم الأيام. فعلى متن إكسبلورا 2، تنظم جلسات الماهجونغ وفقراتها التدريبية في ردهة الرحلات، إلى جانب مجموعة مختارة من الألعاب المشابهة مثل البريدج والشطرنج والطاولة. وحالياً تدرج شركة هولند أميركا لاين اللعبة ضمن أنشطتها التي تقام على متن السفينة. وقد أعلنت أوشيانا كروزس، في أغسطس 2026، أنها ستقدم دروساً في الماهجونغ الأميركي والبريدج على متن أسطولها كجزء من برنامج أنشطة موسع مخصص للعام 2027.

وفي الفنادق الفاخرة، تتيح هذه اللعبة للضيوف فرصة الاستمتاع بأجواء اجتماعية من دون الحاجة إلى وسائل ترفيه مكلفة. أما بالنسبة إلى شركات الرحلات البحرية، فتشكل الماهجونغ طقساً مرحباً به في أيام الإبحار. وماذا عن اللاعبين؟ سواء كانوا من المحترفين أو الناشئين، تتيح لهم هذه اللعبة فرصة تعلم مهارات إضافية، التعرف على أشخاص جدد، وتمضية ساعات ممتعة بعيداً عن صخب الحياة الرقمية.

لعبة وأكثر

عند الحديث عن عادة ما باعتبارها صيحة عصرية، يبدو ذكر التفاصيل أمراً ضرورياً. بالفعل، يجب ألا يتحول تقدير الممارسات الثقافية وتعلمها إلى تقديس. فإعادة إحياء لعبة قديمة واستكشافها وبث روح جديدة فيها تكرم أهميتها العابرة للزمن فقط. ولا تعتبر الماهجونغ اكتشافاً غربياً رائجاً. بالفعل، يجب ألا يخفي انتشارها الواسع راهناً أهمية انتمائها إلى المجتمعات الصينية التي حافظت عليها على امتداد الأجيال. وفيما تبدي وجهات الضيافة الفاخرة وعلامات أسلوب الحياة اهتماماً متزايداً بهذه اللعبة حالياً، تبرز فرصة بالغة الأهمية لاحترام تراثها الإقليمي، تكريم أصولها، وإبراز أصوات المجتمعات التي تعرفها حق المعرفة.

ولعل أفضل طريقة لفهم جاذبية الماهجونغ تكمن في تفاصيلها الصغيرة: صوت خلط القطع، اللحظات التي تسبق تحريك أي قطعة، الحديث العابر بين الجولات، والضحكات التي تعلو متى أدرك لاعب أنه أخطأ فهم اللعبة. في الواقع، لا تتوفر لحظات التواصل هذه عبر الإنترنت، وهي ليست براقة ولا تحتاج إلى أن تكون كذلك. فجوهر تمضية الوقت مع الآخرين يكمن في تراكم تلك الأويقات القصيرة التي لا تُنسى.