على امتداد الشواطئ البكر والمياة الفيروزية في جزيرة أمهات، تمّ تصميم منتجع نجومه ريتز كارلتون ريزيرف (محمية ريتز كارلتون)، ليشكل ملاذاً حيث تلتقي الهندسة المعمارية المستوحاة من أشكال الأصداف جمال البحر الأحمر الطبيعي الخلاب.
إلا أن جوهر الفخامة الحقيقية يكمن في الشعور العميق بالارتباط بالمكان، وهي تجربة واقعية تبرز بفضل الشراكة الاستثنائية مع مؤسسة فنون التراث، المنظمة السعودية غبر الربحية. وتقود هذه المبادرة صاحبة السمو الملكي، الأميرة نورة الفيصل آل سعود، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، وصاحبة الرؤية التي نجحت في تحويل الحفاظ على التراث التاريخي إلى شكل فني حيّ وديناميكي.
وتحت إشراف سموها، تدمج هذه الشراكة الحرف السعودية التقليدية، المنسوجات المحاكة يدوياً، وورش العمل الحرفية المرتبطة مباشرة بتجربة الضيوف، ما يضمن أن تصبح كل إقامة في محمية ريتز كارلتون- الوحيدة في المملكة- متجذرة في قصص ثقافية أصيلة. ويفتح هذا التعاون آفاقاً جديدة ليصبح تراث المنطقة جزءًا حيوياً وفاعلاً من الحياة اليومية داخل المنتجع. وتضع مؤسسة فنون التراث خبرتها التي تمتد على عقود في مجالات الحفاظ على التراث، التصميم المعاصر، والممارسات الحرفية بين يديّ نجومه، لتضفي على تصميم هذا الملاذ المعماري المستوحى من عالم الأصداف لمسات السرد القصصي العربي العريق.
وفي هذا الحوار الحصري، تستعرض صاحبة السمو الملكي، الأميرة نورة الفيصل، التي توجه هذا التعاون، أهمية دعم الحرفيات، وكيفيّة بلوغ التراث الحيّ مكانته المرموقة في أحد أرقى أماكن الضيافة في العالم.
ذكرتِ أن التراث يحيى من خلال الأشخاص الذين يقومون بممارسات ترتبط به. وفيما تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً سريعاً، ما الذي يعنيه إبقاء التراث حياً بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ عليه؟
لمدة طويلة، تمحور جزء كبير من عمل مؤسسة فنون التراث حول الحفاظ عليه. فقد انصب التركيز على جمع وتوثيق وحماية معارف كانت عرضة للاندثار بسهولة. وكان هذا العمل أساسياً، فمن غير الممكن الإبداع انطلاقاً من شيء ما من دون تخصيص الوقت الكافي لفهمه أولاً.
اليوم، تدخل مؤسسة فنون التراث مرحلة مختلفة. فبعد بناء تلك المعرفة لعقود، لم تعد المسؤولية تقتصر على الحفاظ عليها، بل باتت تشمل تفعيلها أيضاً. فكيف يمكن الحرفي أن يتيح لتقنية توارثتها الأجيال الاتصال بالواقع المعاصر؟ وكيف يمكن أي مصمم شاب أن يرى في الأرشيف نفسه آفاقاً مستقبلية لا تاريخاً مضى فحسب؟
يعني إبقاء التراث حياً السماح له بالتطور والحركة، إذ لا بد من ممارسته وتأويله ونقله من جيل إلى آخر. فالحفاظ عليه يمنحنا الأساس المتين، فيما يضمن الإبداع بقاء هذه المعرفة حيّة خارج حدود الأرشيف.
تشجع مؤسّسة فنون التراث الحرفيين على إعادة تشكيل المعرفة التقليدية لتناسب الحاضر والمستقبل. فأين ترسمين الخط الفاصل بين تطور الحرف وفقدانها لطابعها الأصيل؟
الخط الفاصل هو المعرفة. فلا بد من فهم عميق لما يتم تغييره قبل الإقدام على هذا بطريقة صائبة. يمكن الحرفة التطور من حيث الحجم، المادة، الوظيفة أو طريقة التعبير عنها. وهذا لا يجعلها أقل أصالة. لكن عندما يبدأ الفهم المرتبط بأصل الحرفة، سبب تنفيذها بطريقة ما، دلالة زخارفها، أو المجتمع الذي نقل تلك التقنية بالتلاشي، فإننا نفقد حينها جانباً شديد الأهمية منها.
فالأصالة لا تعني التكرار، بل الفهم. وقد عملت مؤسسة فنون التراث لعقود على بناء هذا الفهم العميق لضمان ألا يتحول الإبداع إلى سلب لثقافتنا. نعم، يمكننا التعامل بجرأة مع التراث لأننا نفهم أسسه وجذوره.
وأحياناً يكون القرار الصائب هو عدم إعادة تأويل شيء ما مطلقاً. فثمة تقاليد يتعين علينا حمايتها والسماح لها بالبقاء على حالها فقط.
يساهم نمو المملكة العربية السعودية كوجهة سياحية في جذب جمهور جديد يهتم بالثقافة المحلية. فما الفرصة التي يتيحها هذا للحرفيين السعوديين وما الذي تدعين الزوار إلى فهمه بشأن عملهم بعيداً عن جانبه الجمالي؟
يتيح هذا لهم فرصة استثنائية لأن العالم بات يقصد المملكة بشكل متزايد حيث يحرص الزوار على اكتشافها بأنفسهم.
وبالنسبة إلى الحرفيين، يعني ذلك مزيداً من الانتشار والظهور، أسواقاً جديدة، طلبات إضافية، وفرصاً لجعل أعمالهم مقدّرة من قبل جمهور ربما لم يسبق له التعرف على السعودية من قبل.
لكن لا ينبغي النظر إلى الحرفي باعتباره صانعاً لقطع جميلة فقط، فهو من حملة المعرفة أيضاً. ففي كل قطعة تجتمع تقنيات توارثتها الأجيال، هوية منطقة، تاريخ عائلة، وفهم عميق للمواد تطوّر عبر الزمن.
ويركّز الطموح على أن يتجاوز الزوار النظر إلى القطعة الجاهزة وأن يشعروا بالفضول ويرغبوا في التعرّف إلى مبدعها وعلى مصدرها، وفي اكتشاف سبب اختيار شكلها والمعرفة التي تطلبها إنجازها.
يضع التعاون مع نجومه الحرف السعودية في قلب إحدى وجهات المملكة الفاخرة الأكثر جذباً للأنظار في العالم. فكيف يمكن الضيافة الفاخرة أن تتحول إلى منصة ذات مغزى ثقافي بدلاً من أن تعتمد على التراث كمادة للزينة؟
أعتقد أننا نتحدث أحياناً عن الضيافة الفاخرة المصممة لتلائم الفرد وكأن هذا ينطلق من فكرة جديدة. غير أن هذا المفهوم مألوف للغاية بالنسبة إلى السعوديين. فالضيافة ترتبط بعمق بطريقة استقبالنا للناس. فأنت تولي اهتماماً لزائرك، تستبق حاجاته وتقدم له أفضل ما لديك. هي تجربة شخصية لأن الضيف- ضيفنا- يحظى باهتمام كبير.
ويستند هذا الأمر إلى تاريخ عريق. فقد ارتبطت الضيافة إلى حد كبير بالحياة الاجتماعية في السعودية لأجيال. وكان المجلس، ويبقى، مكاناً حيث يتم استقبال الضيوف والاهتمام بهم، وحيث يشكل إظهار كرم الضيافة، وتقديم القهوة والطعام، والحوار جوهر التجربة. وجرت العادة قديماً على تخصيص أماكن الصدارة للضيوف، مع إيلاء عناية فائقة لكيفية الترحيب والعناية بهم.
وبرزت هذه الروحية تاريخياً من خلال تخصيص بيوت للضيافة، بل قصور شيدت لاستقبال الزوار، ما يعكس مدى تجذر ثقافة الضيافة في الثقافة السعودية.
تخيل أن تخصص قصراً بأكمله لضيوفك. إنه التعبير السعودي الخالص عن الضيافة.
وهذا أيضاً ما جعل الشراكة مع نجومه تبدو طبيعية للغاية. ففي هذه المحمية، يظهر احترام استثنائي للمكان. بالفعل، تعبر الهندسة المعمارية، المواد، العلاقة مع البحر الأحمر وتفاصيل التجربة عن هوية الموقع وطابعه الفريد بوضوح.
وتضيف مبادرة مؤسسة فنون التراث بعداً آخر إلى هذا المشهد من خلال إشراك الحرفيين أنفسهم ونقل ما يمتلكونه من معارف وقصص تكمن خلف أعمالهم. فالقطعة الفنية المتقنة تكتسب أهمية كبيرة متى عرف الضيف مبتكرها، التقليد المرتبط بها، والخبرات المتوارثة عبر الأجيال والتي تقف وراءها.
تمتلك مؤسسة فنون التراث أرشيفاً استثنائياً يشمل أكثر من 57.000 قطعة تراثية. فكيف يتم تحديد التقاليد، التقنيات أو القطع التي يمكن أن تشكل مصدر إلهام للجيل المعاصر من المصممين والحرفيين السعوديين؟
عند النظر إلى هذا الأرشيف يجب أن نتخطى كونه مرجعاً بصرياً. فكل قطعة تحمل في طياتها سياقاً خاصاً. من أين أتت؟ مَن صنعها؟ ما الغرض منها؟ ما التقنية المستخدمة؟ وما الذي تكشفه بشأن الناس والمكان الذي تنتمي إليه؟
وعند استيعاب هذه المعلومات، يمكن تحديد العناصر القابلة للنقل والتوظيف في ابتكارات جديدة. فقد تكمن أحياناً في التقنية، وأحياناً أخرى في طريقة البناء، مادة ما، ببعد ما، علاقة لونية، أو ربما فكرة تتعلق بكيفية استخدام القطعة.
لا ترتبط أهمية أرشيف يضم أكثر من 57.000 قطعة حرفية، ببساطة، بعدد القطع التي يتضمنها، بل في ذلك القدر الهائل من المعرفة الكامنة خلفها.
فالهدف ليس إعادة إنتاج محتويات الأرشيف، بل فهم ما يمكن أن يقدمه هذا الأرشيف من دروس لجيل جديد، ثم منح المصممين والحرفيين الثقة التي تساعدهم على الإبداع، استناداً إلى تلك المعرفة، وبأسلوبهم الخاص.
يُشكل دعم النساء والشباب الطموحين ركيزة أساسية في عمل مؤسسة فنون التراث. فما الذي يعنيه النجاح بالنسبة إلى الحرفي نفسه؟ وهل يكمن الطموح في نهاية المطاف في بناء مسارات مهنية ومشاريع مستدامة إلى جانب الحفاظ على المهارات؟
بالطبع، فالجانب التدريبي بالغ الأهمية، إلا أنه يمثل البداية فقط. فلا جدوى تذكر من الحفاظ على حرفة ما إذا كان مَن يمارسها لا يرى أهمية مستقبلية في تلك المعرفة. فالنجاح الحقيقي يكمن في توفير الفرص، مصادر الدخل، نيل التقدير واكتساب الثقة التي تتيح للحرفيين مواصلة تطوير ممارساتهم.
وفي المحصلة، تتطلب الحرفة المستدامة حرفياً مستداماً. وهما أمران لا ينفصلان.
وبناءً عليه، فإن دعم النساء والشباب الطموحين لا يقتصر على تشجيع المشاركة. بل إنه يرتبط بتوفير الظروف التي تتيح لهؤلاء التحول إلى مساهمين نشطين في مستقبل الحرف السعودية، وفي بناء سبل عيش مجدية ترتكز على ما يمتلكونه من معارف وخبرات.
مع تزايد الاهتمام الدولي بالتصميم السعودي، هل من خطر يكمن خلف نشوء تصور نمطي للأسلوب المحلي لا يعكس التنوع الكبير على مستوى تقاليد الحرف اليدوية والذي يظهر في مختلف أرجاء المملكة؟ وما مدى أهمية الهوية المناطقية بالنسبة إليك؟
هذا ممكن الحدوث دائماً. وهو أمر تواجهه، على الأرجح، كل الثقافات حيث تصبح صورة واحدة مألوفة، ويتكرر عنصر زخرفي معين بشكل لافت، حتى يبدأ في النهاية بإبراز ما هو أكثر تعقيداً.
وتزداد هذه المسألة أهمية في المملكة نظراً لعدم وجود لغة بصرية سعودية واحدة. فالبلاد شاسعة المساحة، وهنا تختلف المواد، الألوان، الأشكال المعمارية، طرق التطريز وأساليب الصناعة بشكل جذري بين منطقة وأخرى، وذلك تبعاً لاختلاف المشاهد الطبيعية والمجتمعات والخلفيات التاريخية الخاصة بكل منها.
من هنا تبرز أهمية الهوية المناطقية. فقد يكون العمل الفني سعودياً بامتياز، إلا أنه ينتمي في الوقت نفسه إلى عسير، الأحساء، نجد، الحجاز، جازان أو أي جزء آخر من المملكة.
ويتطور الإبداع السعودي بوتيرة متسارعة للغاية. فمع ظهور نمط محلي ما، قد يبدأ نمط آخر مختلف تماماً بالتشكل.
إذا تصورنا المستقبل بعد عشر سنوات، ما التحول الذي تتطلعين إليه على مستوى الحرف السعودية، داخل المملكة، وفيما يتعلق برؤية العالم لها؟
بعد عشر سنوات، يكمن الطموح في أن ينظر إلى الحرف باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الحياة الإبداعية والاقتصادية في المملكة.
ويعني هذا وجود حرفيين بنوا مسارات مهنية مستدامة، مصممين يتقنون لغتهم الثقافية الخاصة تماماً، ومعرفة تقليدية تتحول بشكل طبيعي نحو الموضة، الهندسة المعمارية، الضيافة، تصميم المنتجات، بل أيضاً نحو مجالات قد لا نعرفها اليوم.
والأهم من هذا كله أن تواصل الأجيال الشابة ممارسة هذه العادات بنفسها.
لا ينبغي أن يقتصر الهدف على مطالبة أبناء هذه الأجيال بإعادة إنتاج ما كان موجوداً في الماضي. فعليهم فهم هذه المعرفة وتوارثها، ثم امتلاك الثقة لإعادة صياغتها بطريقة تنتمي إلى جيلهم. وهكذا يحافظ تقليد ما على استمراريته. يتلقى كل جيل إرثاً ما، ويضيف إليه لمسته الخاصة ثم ينقله إلى الجيل التالي.
ففي المملكة، يعني النجاح أن التراث لا يُعد أمراً يرقبه الشباب السعودي عن بعد أو يعيدونه إلى الأجيال السابقة فقط. فعليهم أن يدركوا أنه ملك لهم وأنه يمكنهم استخدامه وتطويره ومواصلة مسيرته.
أما على الصعيد العالمي، فيعني الطموح أن يصبح الحوار بشأن المملكة أكثر عمقاً. فالعالم يكتشفها بسرعة مذهلة، ورغم هذا ما زال كثير من جوانب ثرائها الثقافي غير معروف.
ويمكن الحرف السعودية أن تروي هذه القصة بأسلوب قوي ومؤثر للغاية، لأنها تجسد طرق عيش الناس هنا، إبداعهم، تكيفهم وتعبيرهم عن أنفسهم على مدار الأجيال.
وبعد عشر سنوات، نأمل ألا تظهر الحاجة إلى التحدث عن إدراج الحرف السعودية على قائمة الحوار العالمي. يجب أن تكون حاضرة بالفعل، أن تساهم فيه بفعالية ووفقاً لرؤيتها وميزاتها الخاصة.
للتسوق من مؤسسة فنون التراث، اضغط هنا








