تصوير: كوثر الريماوي
في مكان ما، بين إفطارك الأول على كورنيش جدة وجولتك الليلية في أزقة البلد، تمنحك جدة الشعور بأنها المدينة التي تعرفها منذ أمد بعيد. ورغم هذا يكشف كل ركن فيها عالماً جديداً يمكنك استكشافه. وعندما يحيط بك عبق الخبز الطازج ونسمات البحر المالحة، وتجذبك المقاهي الساحرة، المعارض الفنية، المتاجر، استوديوهات الحرفيين، والمطاعم الرائعة، يصبح قرار المغادرة صعباً مراراً وتكراراً. هذا هو سرّ جمال مدينة البحر الأحمر السعودية. وهي حاضرة آسرة تجذبك إليها باستمرار – ربما هو ذلك اللقاء الذي قاد إلى آخر أو تلك الليلة التي امتدت على ثلاث ليال، أو ربما هي روح الضيافة والترحيب التي تظهر من خلال الاحتفال الهادئ وأجواء التأمل السائدة خلال الشهر الفضيل، ما يحثك على البقاء لمدة أطول.
مع غروب الشمس ينبض كورنيش جدة بالحياة
قد تكون النهارات هادئة، إلا أن كل شيء يتغيّر ويتبع إيقاعاً مختلفاً مع غروب الشمس. ولا شك في أن الكورنيش الذي يمتد على مسافة 30 كيلومتراً هو أحد أفضل الأماكن حيث يمكن الاستمتاع بالأجواء الحيوية والتعرف على التقاليد الجداوية، ومشاهدة الزينة المميزة والمشاركة في اللقاءات الاجتماعية. وهنا، تبعث رؤية الناس وهم يتنزهون والأطفال وهم يتنقلون حاملين ألعاباً مضيئة فيما تبدو أياديهم ملطخة ببقايا الحلوى على الشعور العميق بالدفء. أما أكشاك الطعام التي تقدم الذرة المشوية واللقيمات المغمّسة بدبس التمر، وحيث تنبعث رائحة الهال والخبز الممتزجة بنسيم البحر الأحمر، فتجذب حواسك أكثر وتظهر تدفق كرم الضيافة الطبيعي.
ويُعرف الكورنيش، الذي يوصف بأنه مسرح في الهواء الطلق، بمنحوتاته الرائعة، ومعالمه السياحية البارزة مثل نافورة الملك فهد. وهو أفضل مكان حيث يمكن مشاهدة منظر الغروب المبهر. كما أنه يتميز بمشهد مقاهٍ لا مثيل له، ما يجعله الوجهة المثالية للتوقف في أحد تلك الأماكن النابضة بالحياة بشكل مفاجئ مساءً. وهكذا يمكنك أن تلتقي مجموعة من الأصدقاء الذين يتشاركون مذاق القهوة العربية والمعجنات في وقت متأخر ليلاً وفي بعض أشهر المقاهي مثل مقهى إنج الذي يتميز بإطلالاته الخلابة على المسجد العائم الشهير، ومقهى برو 92، ومقهى كاب آند كوتش.
كذلك يُعد كورنيش جدة المكان المثالي حيث يمكنك اختيار إحدى خيم الإفطار الكثيرة المطلة على البحر، وحيث تقدم النكهات الحجازية الأصيلة في أجواء حيوية تفاعلية. وهنا تبرز خيمة المركاز التي تُعرف على نطاق واسع بأنها إحدى أشهر الخيام الرمضانية في جدة. بالفعل هي خيار أنيق وفخم جداً. أما إذا كنت ترغب في الاستمتاع بمشاهدة مناظر أفق المدينة الساحرة، وبجلسة إفطار هادئة وراقية، فتذكّر أن أسطح الفنادق هي المكان المناسب لك. وسواء أردت الاستماع إلى موسيقى العود أو القانون أو تذوق نكهات بوفيه تقليدي فاخر، أو مشاهدة محطات الطهو المباشرة، أو المناظر الخلابة، اعلم أنك ستجمع كثيراً من أروع الذكريات. ويُعد مطعم كايا الكائن في فندق شانغريلا جدة، والمعروف بنكهته المستوحاة من مطابخ منطقة المحيط الهادئ، خياراً رائعاً للإفطار والسحور. وفي المقابل، يقدم مطعم ماريتيم الذي يستقبل ضيوفه في فندق إديشن جدة - وهو مكان ضيافة فرنسي آسيوي معاصر يشرف عليه الشيف الشهير سيدريك فونغريشتن - كلا الخيارين، فيما يشكل مطعم سولاي روف توب في فندق روزوود جدة موقعاً لا بد من زيارته لتناول وجبة ما قبل الفجر.
البلد، روح جدة
بعد الاستمتاع بصخب كورنيش جدة، لا بد من التوجه إلى حي البلد التاريخي الذي ينبض بالحياة بوتيرة مختلفة – فهو أكثر هدوءًا وسكينة، ما يذكّر بروعة الاسترخاء وإبطاء الإيقاع. ويسود هذا المكان جو احتفالي دافئ حيث تتراقص الموسيقى والفوانيس برفق فوق متاهة الأزقة الضيقة، مسلطةً ضوءًا دافئاً على واجهات المباني القديمة المصنوعة من الحجر المرجاني، كما على المشربيات.
فسواء تلقيت دعوة من مجموعة صغيرة لتشارك الشاي بالنعناع جلوساً على سجادة منسوجة قرب متحف بيت المبتولي، أو لمشاهدة الحرفيين وهم يعرضون مجوهراتهم يدوية الصنع وفنون الخط العربي تحت أضواء خيالية في شارع قابل، أو لتأمل روعة الهندسة المعمارية في بيت زينل وبين نصيف، أو لاكتشاف جوهرة مخفية تشكل حلم المصورين، أو لزيارة زقاق العطارين، اعلم أن لكل زاوية حكاية. كذلك تنتشر في أنحاء هذا الموقع المدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المقاهي الرائعة حيث يمكنك الاستمتاع بالأجواء العريقة. وتشمل القائمة سوبيا بار الذي يشتهر بمشروبه العريق، ومقهى 15/1 حيث يمكنك الاستمتاع بتذوق المشروبات الخاصة والحرفية، ومقهى ليالي تاريخية الكائن على السطح، وهو مكان يتيح لك السفر عبر الزمن، إلى الماضي، ومشاهدة التحف والتصاميم الداخلية التقليدية. أما مقهى قلب البلد فهو مكان رائع آخر يجمع الناس حيث يمكنهم الاستماع إلى القصص الشيقة.
يبقي أصحاب المحال في البلد أبوابها مفتوحة حتى ساعة متأخرة ليلاً، حيث يقدمون للمارة سلعهم مثل أنواع التمور والبخور والشاي العطري. وهنا، تفوح روائح السمبوسك الشهية وسط البيوت التراثية المرمّمة. لكن ثمّة خيارات لا يمكن حصرها في حال أردتُ الحديث عن أطعمة الشارع، وخصوصاً إذا توجهت إلى مكان إقامة مهرجان رمضان لأطعمة الشارع أو رمضان فود ستريت. ولا أنسى الأسواق الصاخبة الحافلة بالألوان والتاريخ والسلع الرائعة التي تشكل جوهر التجربة الثقافية. ومن سوق البلد (سوق العلوي) أكبر أسواق جدة وأحد أقدمها، وسوق الذهب، إلى سوق العطارين وسوق باب مكة، تزدهر أماكن البيع في المدينة وتجمع الأجواء الروحانية والتراثية خلال شهر الصوم. فسواء كنت تبحث عن أفضل الحرف اليدوية التقليدية، أو التحف، أو الحلي الذهبية، أو الفضة أو التوابل أو الملابس، أو الهدايا التذكارية التي تباع بأسعار مناسبة، تأكد أن هذا المكان لن يخيّب ظنك.
ولاحقاً قد تدرك أن جدة لا تعتبر بوابة لرحلتك الروحية فقط، بل بداية سهلة لزيارتك أيضاً. ورغم أنك قد تكون عابراً فإن الشعور الذي تولّده مدينة البحر الأحمر الساحلية في داخلك لا ينتهي أبداً. وفي ليالي رمضان، حيث لا يبدو أحد على عجلة من أمره، لا تجبرك جدة على الاستعجال، بل تدعوك إلى التريث والاستمتاع. وقد تجد أنّك تنام في وقت متأخر، وتغادر في وقت متأخر وربما ترحل غداً بدلاً من اليوم.








