قد يعتقد مَن يزور الإمارات للمرة الأولى أن معالمها تقتصر على ناطحات السحاب والأبراج الشاهقة، والمراكز التجارية الضخمة، وكراسي الاستلقاء على الشواطئ الرملية البيضاء. إلا أن التاريخ الحديث للبلاد يروي قصصاً أخرى تختلف عن تلك التي كانت تعيشها قبل قرون وقبل تأسيس الدولة واكتشاف النفط وحدوث الطفرة التنموية التي حولتها إلى وجهة رائدة عالمياً.
فاياً يكن هدف الزيارة التي تخطط للقيام بها إلى الإمارات، لا بد لك من الذهاب في جولة داخل مواقعها التاريخية. ففي المدن، ستجد الحصون القديمة والمنازل العتيقة التي تشكل الوجه الآخر لهذه الوجهات حيث ترتفع الأبراج الفولاذية والزجاجية الفخمة. كذلك تحتضن معظم الإمارات متاحف متنوعة يستعرض بعضها تاريخ البلاد ما قبل الحقبة النفطية في أبنية استخدمتها أجيال من الشيوخ لإدارة الشأن العام غالباً قبل تأسيس الدولة في العام 1971.
وخلافاً لما هي عليه الحال في العديد من بلدان الشرق الأوسط، يمكن الوصول إلى هذه المواقع والمعالم بسهولة، علماً أنه تم ترميم معظمها بعناية لافتة. وتستقبل هذه الأماكن السياح من مختلف أنحاء العالم حيث تقدم لهم الشروح والإيضاحات بلغات عدة إضافة إلى مساعدة المرشدين. لذا، يعني عدم زيارتك هذه المرافق أنّك أهملت جزءًا مهماً من تاريخ البلاد وربما المنطقة ككل. ولكي لا يحدث هذا، ندعوك إلى تصفح دليلنا الإرشادي الذي يضم أشهر المعالم التاريخية في الإمارات.
حي الفهيدي التاريخي: نافذة دبي إلى الماضي
يعتبر هذا الحي أحد أشهر الأماكن التاريخية والتراثية في دبي. وهو يقع على مقربة من خور دبي. وهنا ما زالت القوارب الشراعية الخشبية تقلّ السياح والسكان المحليين إلى وجهاتهم ذهاباً وإياباً مقابل دراهم قليلة. ويبدو حي الفهيدي التاريخي أشبه بمتاهة حيث تشمل مساحته العديد من الممرات التي تشق طريقها وسط الأبنية غير المرممة - وأبراج الرياح التقليدية المبنية من الحجر الرملي والخشب - ما يمثل أساليب الهندسة المعمارية التي كانت سائدة في دبي قديماً (والتي كانت تؤمّن تبريد الأماكن قبل حلول عصر التكييف).
وهنا، يمكنك استكشاف أكثر من 50 منزلاً، لكن من الأفضل أن تبدأ جولتك من مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري الذي يبرز تاريخ الحي ومراحل تطوره. كذلك يمكنك التوجه إلى متحف المسكوكات الذي يضم 470 عملة نادرة تعود إلى عهود الإمبراطورية البريطانية، كما إلى العصور الهندية، والحقبات الاستعمارية المختلفة. ولا تنسَ الانتقال بعد ذلك إلى دار الندوة ودار الفعاليات حيث تنظم الأحداث الثقافية المختلفة وتعرض الحرف اليدوية المحلية.
وبالطبع، لا يمكنك مغادرة حي الفهيدي من دون قيامك بزيارة دار الخط العربي، ومطعم ومقهى أرابيان تي هاوس حيث تقدم المشروبات والوجبات الخفيفة التقليدية. ومن المهم أن تقوم بجولة في حصن الفهيدي الذي يضم متحف دبي والذي تم بناؤه في العام 1787 حيث كان مقراً لحكامها لأجيال عدة. لكن تذكّر أنه تم إقفال الحصن والمتحف بسبب أعمال التجديد، وأنه من المتوقع أن يتم إعلان تفاصيل إعادة الافتتاح قريباً.
قصر الحصن: مهد أبوظبي الأول
تم تشييد المبنى الحجري الأقدم في أبوظبي، أو قصر الحصن، في العام 1761 بهدف حماية بئر الماء العذب في هذه الناحية. وقد أصبح مقراً لشيوخ الإمارة بحلول نهاية القرن الثامن عشر، وحافظ على موقعه كمقر حكومي حتى العام 1966.
في السنوات الأخيرة، تم ترميم القصر الذي يعرف أيضاً باسم الحصن الأبيض بعناية لافتة. وتحول المكان بعد ذلك إلى متحف حيث تعرض الأسلحة القديمة، القطع الأثرية والمواد الأرشيفية التي تم اكتشافها في أبوظبي والمنطقة المحيطة. وهنا، تجد بيت الحرفيين حيث يتم تنظيم دورات تدريبية وإقامة ورش عمل تركز على الحرف التقليدية الإماراتية ومنها نسيج السدو.
وليس بعيداً عن هذا المكان، ينتظر حضورَك المجمع الثقافي - بيت الفن والثقافة في أبوظبي، إضافة إلى مكتبة أبوظبي للأطفال. فمن المهم جداً أن تقوم بزيارة هذه المكتبة برفقة أطفالك لأنها توفر لهم مساحات غامرة مصممة على شكل كتاب عملاق مع لمسات جغرافية ترتبط بدولة الإمارات العربية المتحدة.
واحة العين: ملاذ أخضر مدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي
تُعد واحة العين وجهة مثالية لقضاء يوم واحد بعد الانتقال إليها من دبي أو أبوظبي. وهي تعرف باسم مدينة الحدائق، علماً أنها كانت موطناً لبعض من أوائل سكان المنطقة.
ويمكن زائر الواحة التجول وسط بساتين النخيل الهادئة على طول الممرات المظللة، وبالتالي مشاهدة نماذج من نظام الري القديم أو ما يعرف بالأفلاج. واللافت أن هذه الوجهة تغطي مساحة تصل إلى 1200 هكتار، وتضم 147.000 شجرة نخيل، علماً أنه تم إدراجها على قائمة مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونيسكو.
وإذا أردت الهروب من حر الصيف، لا تنسَ التوجه إلى متحف العين الأقدم في هذا البلد والذي يوثق تطور المنطقة، من العصر الحجري حتى يومنا هذا. وهنا تجد معروضات مثل رؤوس السهام المصنوعة من حجر الصوان وغير هذا من الموجودات التي تعود إلى الألفية السادسة قبل الميلاد. وتجدر الإشارة إلى أنه تم إغلاق المتحف بداعي التجديد حيث يتوقع أن تتم إعادة افتتاحه قريباً. على أية حال، لا تنسَ أبداً أنه من الأفضل أن تقوم بزيارة واحة العين في الصباح أو المساء حيث يمكنك استئجار دراجة هوائية أو المشي من دون أن تشعر بالحر.
قرية حتا التراثية: محمية الثقافة الجبلية
في أعماق جبال الحجر، تقع قرية حتا التراثية التي تضم مجموعة من الحصون والمنازل وأبراج المراقبة القديمة المرممة. وتلتقي هذه المعالم في محيط حصن يعود بتاريخه إلى القرن الـ19 حيث تم بناؤه من أجل حماية القرية من الغزاة. وفي هذه الوجهة يمكن الزوار الصعود إلى قمم الأبراج للاستمتاع بالإطلالة الرائعة على المحيط، كما يمكنهم القيام بجولة في متحف حتا التراثي حيث تعرض الملابس والمجوهرات الإماراتية التقليدية، إضافة إلى الصور الفوتوغرافية والوثائق التاريخية.
وكما هي حال العين، تعتبر حتّا موقعاً مثالية لمشاهدة كيفية عمل نظام الري التقليدي (الأفلاج). كما أنها تضم مرافق للتخييم. ولا أنسى أنها تناسب الباحثين عن الإثارة الذين سيرغبون في عيش أروع المغامرات، مثل زيارة سد حتا لركوب قوارب الكاياك والقيام برحلات هايكنغ جبلية. فإن كنت من هؤلاء، احرص على زيارة هذه الوجهة خلال أيام الأسبوع لتتجنب الازدحام.
مدافن جبل حفيت: أسرار العصر البرونزي في الإمارات
تشكل آلاف المقابر المزينة بالقباب جزءًا لا يتجزأ من أبرز المعالم التاريخية في الإمارات. في الواقع يعود بعض هذه المدافن إلى ما قبل 5000 عام، علماً أنها تنتشر عند سفوح جبل حفيت. وقد تم التنقيب عنها في العام 1959 حيث عثر علماء الآثار على قطع أثرية نحاسية وأخرى مصنوعة من السيراميك داخلها. ويدل هذا على أهمية هذا الموقع على طريق التجارة البحرية في الخليج العربي في عصور ما قبل التاريخ.
وليس بعيداً عن هذه الوجهة، يقدم منتزه جبل حفيت الصحراوي لزواره فرصة القيام برحلات هايكنغ تؤدي إلى منطقة المقابر. كما أنه يوفر خيارات التخييم والتسلق. وماذا عن الرحلات اليومية؟ ننصحك بالقيادة إلى قمة جبل حفيت لتأمل منظر شروق الشمس الرائع قبل عودتك إلى دبي أو أبوظبي.
جامع الشيخ زايد الكبير: تحفة روحية عصرية
أثناء بحثك عن أبرز المعالم التاريخية في الإمارات، لا بد لك من زيارة جامع الشيخ زايد الكبير. فلهذا المكان دلالاته وإن كان ينتمي إلى التاريخ الحديث. وقد بناه مؤسس البلاد، الشيخ زايد، ليتم افتتاحه في العام 2007 حيث شكل تحفة معمارية مستوحاة من التصاميم الإسلامية. وتشمل خريطة هذا الموقع 82 قبة، 1000 عامود، أكبر سجادة يدوية الصنع في العالم، وساحة تتسع لأكثر من 41.000 مصلّ. إنه بالفعل محطة أساسية تستحق الزيارة أثناء أي جولة سياحية يتم القيام بها في الإمارات.
إذاً استمع إلى الآذان الذي يؤدى بثلاثة أصوات تم تسجيلها، ترتيبها وتنسيقها ثم بثها عبر أفضل أنظمة الصوت في العالم (لا شك في هذا). واعلم أن الدخول إلى الجامع مجاني وأنه يفتح أبوابه يومياً، من الساعة 9 صباحاً حتى 10 مساءً. وهنا، تقدم للنساء أوشحة لتغطية الرأس أثناء التجول في أرجاء المكان.
قلعة الفجيرة: أقدم حصن في الإمارات
تعتبر قلعة الفجيرة من أقدم المواقع التاريخية في الإمارات. ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الـ16 حيث شكلت موقعاً دفاعياً ومقراً للعائلة الحاكمة. وترتفع هذه القلعة على قمة تلة في قلب مدينة الفجيرة وسط أشجار النخيل الخضراء. وهي تتيح للزائر الاستمتاع بأروع الإطلالات على المنطقة المحيطة بها. ويلاحظ أنه تم بناء القلعة أولاً باستخدام الطوب اللبن، والحصى والجص لتشكل جزءًا لا يتجزأ من موقعها الطبيعي. وتضم مساحتها ثلاثة أبراج مستديرة، برجاً مربعاً، وجدراناً سميكة وعالية تم بناؤها من أجل صد هجمات الغزاة. وقد تعرضت القلعة لبعض الأضرار في مطلع القرن الـ20 نتيجة القصف البريطاني، لكنها خضعت لعملية ترميم في السنوات الأخيرة. فلا تتردد في زيارتها، علماً أنها تشكل جزءًا من قرية الفجيرة التراثية حيث يمكنك استكشاف المنازل التقليدية، المعارض، الحرف المحلية والقطع الأثرية. وتذكّر أن الدخول إليها مجاني وأنها تستقبل الزوار من الساعة 8 صباحاً عن 5 عصراً.
قلب الشارقة: مشروع إحياء التراث الثقافي
يعتبر قلب الشارقة أكبر مشروع ترميم تاريخي في الإمارات. وكما هي حال البستكية في دبي، يقدم هذا الموقع للزوار لمحة عن الحياة التقليدية في البلاد قبل الثورة النفطية. وهو يقع في وسط الشارقة حيث يهدف إلى إعادة أحياء أجواء سنوات الخمسينيات في ممراته المتعرجة، منازله المبنية من الحجر المرجاني وأسواقه الصاخبة وساحاته المرممة بطريقة لافتة.
وإضافة إلى كونه مكاناً مناسباً للتنزه، يضم قلب الشارقة، متاحف، صالات عرض فنية، فنادق بوتيكية، ومراكز ثقافية. وبالحديث عن أبرز هذه المعالم، لا بد من أن أذكر متحف الشارقة التراثي، سوق الشارقة (أحد أقدم الأسواق في المنطقة) وقلعة الحصن. ولا أنسى المقاهي التقليدية والمتاجر حيث تباع الحرف اليدوية، المجوهرات والمنسوجات.
والخبر السار هو أنه يمكنك القيام بجولة مجانية رغم أن بعض المتاحف والمعارض يفرض رسوماً رمزية. فإذا بدأت تخطط للزيارة، تذكر أن معظم المرافق تفتح أبوابها من الساعة 8 صباحاً حتى الساعة 8 مساءً (يتم تقليص ساعات العمل أيام الجمعة). فأهلاً بك في أحد أشهر المواقع التاريخية في الإمارات.








