لقد كان حواري مع عبد الرحمن الدغيلبي من أكثر الحوارات متعة، فهذا الرجل كنزٌ حي ومرجع موثوق للعديد من القصص المعاصرة والتراثية في منطقة الطائف. فهو على دراية بجميع تفاصيل هذه المدينة الجبلية الواقعة في المنطقة الغربية للمملكة العربية السعودية، كما أنه مصور فوتوغرافي ورث حب التصوير عن والده، الذي كان يستخدم كاميرا التصوير الفورية، وهو أيضاً مرشد سياحي قاد العديد من المجموعات السياحية في السعودية عموماً وفي محافظة الطائف على وجه التحديد.
فيروز والرجل المسن
يمثل الورد الطائفي عالماً متكاملاً لمحافظة الطائف، فالأمر لا يتعلق بالناحية الجمالية فقط، بل هو اقتصاد متكامل وقصص إنسانية حيّة، وذاكرة جامعة لجميع سكان الطائف. يروي عبد الرحمن قصة إنسانية مميزة لواحدة من صوره الرائعة التي التقطها أثناء ذروة موسم الورد الطائفي: "كان هناك رجل مُسن مستلقٍ في وسط كومة الورد، وكان أحدهم قد شغل أغنيةً لفيروز "نسّم علينا الهوى من مفرق الوادي"، فدمعت أعين الرجل المُسن، فمن الواضح أن هذه الأغنية قد أثارت ذكرى ما لديه. وفي هذه اللحظة الخاصة التي اجتمعت فيها فيروز والورد الطائفي ودمعة الرجل، تمكنت من التقاط صورة حية ومفعمة بالمشاعر والعاطفة".
عُرضت هذه الصورة في معرض عطور الشرق بالرياض. التقط عبد الرحمن هذه الصورة في بداياته في عالم التصوير، والتي كانت بمثابة الشرارة لاحتراف التصوير.
إحساس الصورة
يتبع عبد الرحمن الدغيلبي فلسفة خاصة في عالم التصوير ويقول عن ذلك: "هناك مصورون يبحثون عن الكادر الجميل فقط، ولكن بالنسبة لي، فأنا أبحث عن وجود إحساس وموضوع حقيقي وجوهري وراء كل صورة ألتقطها إلى جانب إظهار جمالية الصورة، وهذا ما تجلى بشكل واضح أثناء تصويري للناس من مختلف الأعمار"، يستمتع عبد الرحمن بالتصوير في المناطق الطبيعية والتي يفضلها عن المدن، والتي تعاني كثيراً من التشوه البصري.
جميل ولكن خطير
ينطوي تصوير الطبيعة في المناطق الجبلية على مخاطر كبيرة، فهو يتضمن تسلق الجبال الوعرة، والتعرض للدغات الحشرات السامة، وفي حالات أخرى، انهيار المباني القديمة.
وهنا يروي لنا قصة أحد زملائه في مدينة أبها والذي قضى نحبه قبل سنتين تقريباً إثر السقوط من أحد الجبال المرتفعة أثناء تصويره باستخدام الدرون. وكان قد تعرض شخصياً لإحدى الإصابات أثناء التصوير ويقول عن ذلك: "تعرضت للدغة أحد العقارب أثناء التصوير، لم أنتبه في البداية إلى خطورة الأمر إلى أن بدأت الانتفاخات تظهر في قدمي ووجهي، وتم إسعافي إلى المستشفى واتضح بأني أصبت بما يسمى بالالتهاب الخلوي وكانت النتيجة جلوسي لسبعة أيام في العناية المركزة وسبعة أشهر في البيت نتيجة لتلك الإصابة".
لذا يشدد عبد الرحمن على أهمية الاستعانة بمرشد سياحي محترف في بعض الأماكن الجبلية ويروي تفاصيل مرعبة عن منطقة الوعبة في الطائف وهي حفرة بركانية عمقها 380 متراً وعرضها 2 كم والتي توفي فيها 7 أشخاص بسبب العطش والجهد الكبيرين في الوصول إلى تلك المنطقة دون أخذ الامدادات والاحتياطات الكافية، كما أن زيارة بعض البيوت أو القصور التاريخية القديمة التي يزيد عمرها عن مائة عام قد ينطوي على بعض المخاطر أيضاً فأرضياتها مصنوعة من الخشب الذي قد يتآكل مع مرور الزمن. إلا أن جميع هذه القصور والبيوت التاريخية في منطقة الطائف مغلقة للترميم في الوقت الحالي من قبل وزارة السياحة السعودية. يضيف عبد الرحمن: "كنت في أحد المرات أصور داخل أحد البيوت الطينية القديمة التي يزيد عمرها عن 200 سنة، ثم انهار السقف فوقي فجأة".
يقول عبد الرحمن عن كل ذلك: "لقد دفعتني جميع هذه المخاطر المحيطة بعملي كمصور ومرشد سياحي إلى اتباع دورة إسعافات أولية، نظراً لصعوبة وصول المساعدة أو سيارة الإسعاف في المناطق الجبلية الوعرة"
مواسم ومواقع التصوير المفضلة
يعشق عبد الرحمن التصوير في مدينة الطائف خلال موسم الورد الطائفي، وأيضاً يحب تصويرها خلال موسم زهرة اللوز أو المشمش. أما خارج مدينته الطائف، فلمنطقة جيزان مكانة خاصة لديه ويصف ذلك بالقول: "لجيزان مكانة خاصة لدي، فسكانها طيبون جداً، كما تتميز طبيعتها بالجبال الخضراء في جميع المواسم بما فيها فصل الصيف، عداك عن جمالية الفل الجيزاني”.
ففي إحدى زياراته التي استمرت لمدة 3 أيام إلى جيزان، لم ينم إلا ساعتين فقط، كما أن جزيرة فرسان والتي تعتبر محمية طبيعية للغزلان، من المواقع المحببة إليه للتصوير. يصف عبد الرحمن المواقع السياحية المفضلة لديه في مدينة الطائف وهي قصر شبرا، وبيت الكاتب وهو البيت الذي ولد فيه الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- وهناك أيضاً قصر جبرا المخزومية، وقد سكن في هذا البيت الملك سعود رحمه الله.








