مشاهد ونشاطات

فن من شوارع الرياض

يصوّر خالد مخشوش جوهر المدينة منخلال الفن الرقمي. وهكذا نراه يجمع في أعماله المألوف والخيالي، فيبدع أثناء التعبير عن نظرته الخاصة للحظات يختارها من التاريخ السعودي

بواسطة /
19 ديسمبر 24
فن من شوارع الرياض

في زمن نشأته الأولى، لم يطمح خالد مخشوش إلى أن يصبح فناناً، بل قادته رغبته الدائمة في استكشاف الفضاء إلى دراسة الفيزياء وعلوم الفلك في الولايات المتحدة الأميركية. وبعد مرور عام واحد، أدرك أن العمل في مجال العلوم لا يناسبه. وفور عودته إلى السعودية، توجه خالد نحو عالم الفنون من خلال تنفيذ تصاميم لعبة فيديو قام أحد أصدقائه ببرمجتها. وبالطبع لم يكن سهلاً بالنسبة إليه التعامل مع الجانب التقني للتصميم. إلا أنه استطاع، خلال مدة قصيرة، استكشاف فن البيكسل كوسيلة رائعة للتعبير عن الذات.

وإذ يتحدث عن بداياته، يقول الفنان المقيم في الرياض: "حين بدأت العمل في مجال الفن الرقمي في العام 2016، قررت تعلم كيفية التعامل مع هذا النوع من الفنون أولاً قبل أن أنتقل إلى تصميم ألعاب الفيديو". ويضيف: "لكنني اكتشفت أن رسم المشاهد باستخدام قلم عادي وجهاز لوحي (آيباد) ثم ترجمتها إلى بيكسلات، هو طريقة رائعة للتعبير عن الذات، فأظهرتُ تعلقي بهذا الفن حتى النهاية".

خالد مخشوش
خالد مخشوش
Khaled Makhshoush Profile

استكشاف وخيال

في البدء، بدت أعمال خالد الفنية خيالية للغاية، وشديدة التأثر بعالم ألعاب الفيديو. لكنه استطاع اختيار وجهته الإبداعية مع مرور الوقت.

وهو يوضح هذا بقوله: "تركز أعمالي على المشاهد الطبيعية، على الأماكن، وعلى كل ما يرتبط بالمساحة المادية مثل المسافة. يعتريني شعور خاص كلما زرت مكاناً ما. وبالطبع يختلف هذا الشعور باختلاف وقت الزيارة ومستوى الإضاءة. فلكل مكان جوّه والعاطفة المرتبطة به".

وهكذا يسعى خالد إلى التقاط هذا الجو وتلك العاطفة من خلال عملية استكشافية وتخيّلية. ومن الأمثلة على ذلك أنه استخدم ميزة التجول الافتراضي التي يوفرها محرك غوغل ليذهب إلى اليابان وليستوحي إبداعاته من شوارعها المتنوعة ومن مناظرها الطبيعية، أو ليسير في شوارع الرياض، ومن أبرزها شارع أبو بكر الذي يلهم بعض أعماله.

City Lights, 2024, Pixel Art Khaled Makhshoush

وحين يتحدث عن المدينة، يعيد الفنان تصورها بواسطة البيكسل على طريقة مشاهد ألعاب الفيديو المفضلة لديه. وهو يرى أن رسم الرياض يشبه "رسم شخص ما تعرفه أو شخص مقرب منك".

وبالحديث عن أعماله الأكثر شهرة، يذكر خالد "إيرلي إيفنينغ" المستوحى من شوارع مختلفة في مدينة الرياض، والذي يجعل الأمكنة تبدو مألوفة بالنسبة إلى كل من يراه. ويُظهر هذا العمل طريقاً سريعاً، كثيراً من المنشآت العمرانية، التحويلات، والإشارات. وعنه يقول الفنان: "هو يمثل إلى حد كبير شارع الملك عبدالله. يقول لي الناس إنهم يعرفون هذا الشارع، من دون أن يتمكنوا من تحديده. والسبب أن المشهد ليس حقيقياً، رغم أننا نشعر بأنه كذلك".

وينطلق الأسلوب الذي يعتمده لإبداع هذه الأعمال الفنية من نظره إلى مكان ما، ثم بحثه عن سببب الشعور الذي يولده هذا لديه: "أحاول التقاط الجو، الأضواء، الشعور الذي يعترينا أثناء وجودنا في مكان ما، وفي وقت ما، وأسعى إلى تحديد كيفية التعبير عن كل ذلك لابتكار عمل جديد".

مدينة التحولات

Cranes, 2024, Pixel Art Khaled Makhshoush

فيما تشهد العاصمة السعودية تغيراً مستمراً يظهر من خلال امتداد رافعات البناء نحو الأفق، وظهور مشاريع جديدة بين عشية وضحاها، يحرص خالد على رؤية جمال هذا الواقع: "يطلق بعض الناس أحكام صارمة على أعمال البناء، حركة المرور، الرافعات، الأضواء الساطعة وكل ذلك. لكنني أرى في كل هذا سحراً. لذا، أحب، بطريقة ما، أن ألتقط المشهد كما أراه من دون أن أصدر الأحكام".

واللافت أن هذا المبدع يُعرف باهتمامه الشديد بالتفاصيل وخصوصاً حين يتعلق الأمر بالمرحلة الانتقالية بين القديم والجديد. وهو يسترجع الوقت، من دون أن يغرق في الماضي، فيستعيد تلك الحقبة حين كانت المدينة تعيش حالة من السكون التام. ويصوّر بعد ذلك التطورات الكبيرة التي باتت تشهدها انسجاماً مع رؤية العام 2030: "أريد التقاط اللحظة التي نعيشها الآن. إنه الفضاء الكائن في المنطقة الوسطى حيث يتم بناء الأشياء، حيث يتشكل المستقبل قبل أن يتحقق تماماً".

نظرة خارجية

Early Evening, 2020, Pixel Art Khaled Makhshoush

مؤخراً عُرضت أعمال خالد مخشوش ضمن فعاليات نور الرياض وساوندستورم. وأطلقت هذه الأعمال النقاش حول مستقبل الرياض، والتحولات الكبيرة التي تجري في مختلف أنحاء البلاد. وحالياً يطمح الفنان، الذي وقع إبداعات مثل "بدون عنوان"، إلى أن يرى أعماله بعيون أشخاص من خارج المنطقة: "يقول بعضهم إن الرياض مدينة مستقبلية، شبيهة بمدن الخيال العلمي، لكنني لا أسعى إلى إظهارها على هذا النحو، بل أفضل أن تبدو من خلال أعمالي مدينة حديثة. وآمل أن ينظر المهتمون إلى مشاهدي لاحقاً وأن يقولوا: "أوه، هذا ما كانت عليه الحال".

ويبدو أن مشروعه المقبل يركز أيضاً على استكشاف المدينة. وهو يأمل أن يقدم من خلاله رؤية جديدة لمكان يعرفه بشكل جيد، وأن يدعو عبره العالم إلى مشاهدة الرياض من خلال عينيه، حيّة بالألوان ومليئة بالاحتمالات".