ماذا يحدث عندما يصطدم التراث بالتجديد الجذري؟ بالنسبة إلى هبة اسماعيل، تكمن الإجابة في الرسم باستخدام خطوط جريئة وأشكال تكعيبية تتحدى التوقعات.
نشأت الفنانة السعودية في منزل حيث حضر الفن والتاريخ تماماً كالأثاث. لذا، كانت طفولتها حافلة بالإبداع، ما رسّخ لديها تقديراً حقيقياً لهما. وشكّلت "غرنيكا" لبيكاسو مصدر إلهامها الأول، حيث عُلقت هذه اللوحة ذات التأثير القوي فوق مدخل منزل طفولتها وبدت جذابة وآسرة في آن.
وفي هذا السياق تقول هبة: "قد تكون رؤية هذه الصور في سنّ مبكرة أمراً مخيفاً"، وتضيف: "لكنني نشأت وأنا أنظر إلى لوحة غرنكيا وأعمال أخرى لبيكاسو انتشرت في أرجاء منزلنا". وهذا الاهتمام بالفن التكعيبي – الحركة التي نشأت في القرن الـ20 والتي جزأت الواقع إلى أشكال هندسية – هو ما شكل رؤيتها الفنية. وهي تعلق على هذا بقولها: "أرى أن التكعيب هو وسيلة لإظهار خيالنا أمام الناس – ودعوة لزيارة عالم العجائب الكائن في عقولنا". وهكذا أصبحت رائدة في هذا المجال في المملكة العربية السعودية، حيث أعادت تعريفه بلمسة محلية مميزة: "بدأت أرى كل شيء من منظور تكعيبي".
رؤية سعودية فريدة
تجمع أعمال هبة الزوايا التكعيبية الحادة وثراء نسيج الثقافة السعودية. وتُظهر لوحتها The Holy Grail رجلاً يرتدي ثوباً تقليدياً ويشرب القهوة بواسطة الدلة، فيما تُبرز لوحة هيا امرأة سعودية ترتدي الشيلة التقليدية، وسط إطار مزيّن بنقشات القط العسيري. وبالطبع، لا تكتفي هذه الأعمال بالتعبير عن محتواها – بل إنها تمثل الرؤية، الطموح، والأمل. لكن لمَ اختارت الفن التكعيبي؟ هو سؤال تجيب عليه هبة بقولها: "أردت أن أترك بصمة سعودية في عالم هذا الفن. بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ الناس بإعادة بناء حياتهم، ثم ظهر بيكاسو وأطلق حركة فنية ثوروية جعلته اسماً لامعاً. وهكذا بات هذا الاسم قادراً على استحضار ملايين اللوحات في ذهنك. وأنا أريد أن أحظى بهذا التقدير – أي كلما سمع أحدهم اسم هبة يتصوّر لوحاتي".
حوار هندسي
لدى سؤالها عما إذا كان الفن التكعيبي يثير الاهتمام في المملكة، نفت هبة عدم معرفة السعوديين بالحركات الفنية العالمية: "السعوديون على دراية تامة بحركات مثل التكعيبية والوحشية"، تقول مضيفة: "ليس غريباً أن ترى عشاق الفن في الرياض، جدة أو الشرقية يتحدثون عنه أو يجمعون أعمالاً فنية مختلفة". واللافت أن لوحاتها لاقت استحساناً ملحوظاً: "تلقت أعمالي دعماً وتقديراً وقبولاً كبيراً".
تأمل هبة أن يلهم فنها آخرين وأن يساهم هؤلاء في إبراز المواهب السعودية في العالم، وأن يرى الجميع جانباً من ثقافة المملكة لم يتنبّهوا إليه من قبل. وهي تتوق أيضاً إلى دعوة الناس إلى خوض النقاشات حول أعمالها: "أن تتشارك أعمالك مع الآخرين أمر حساس. فأنت تعرض نفسك أمام الناس ويتعيّن عليك أن تتقبل انتقاداتهم وكل ما يقولونه"، تقول وتتابع: "حين يسألني أحدهم عن لوحة ما، تنطلق محادثة رائعة حول معنى هذه اللوحة برأيه"، تعلّق ضاحكة وتضيف: "هي طريقة للتواصل مع الآخر ودعوة للانتقال إلى عالم الخيال الكائن في ذهني".
نظرة إلى المستقبل
بعد بيعها أولى لوحاتها في العام 2019، انطلقت هبة نحو استكشاف وسائط فنية جديدة، من العروض الحيّة إلى الفن الرقمي. فعلى سبيل المثال، يجمع نموذج NFT الذي قدمته في إطار مفهوم Hebaism، الابتكار الرقمي والفن التقليدي. وهو ما توضحه بقولها: "هو توجه مستقبلي يمكّنك من تتبع وتوثيق عملك عبر الإنترنت". وباعتمادها على مختلف وسائل التعبير، لا تعيد هبة تعريف المشهد الفني في المملكة العربية السعودية فقط، بل تدعو العالم بأسره إلى رؤيته من خلال عدستها متعددة الوسائط أيضاً.








