فيما تكرّم الثقافة الحديثة حالة الاحتراق (الإجهاد المفرط) باعتبارها مقياساً للنجاح، يصبح التوجه العالمي نحو العافية استجابة حتمية. إلا أن بلوغ العافية الفعلية يتطلب تجاوز الاتجاهات السطحية.
بالفعل، تتمحور العافية في جوهرها حول كيفية إدارتنا طاقتنا على المستوى الخلوي. فالأمر لا يتعلق بدفع الجسم إلى حدوده القصوى، بل بتوفير الظروف الملائمة التي تساعده على التعافي، استعادة توازنه وتجديد حيويته بشكل طبيعي.
ومن أجل فهم الآليات التي تقف وراء استعادة التوازن الداخلي هذه، تحدثنا إلى كاتيا دو رام، مؤسسة أكاري دبي، عن علم العافية الحقيقية. وبدلاً من الدعوة إلى اتباع الصيحات العابرة في هذا المجال، تدافع دو رام عن نمط حياة يعتمد على ممارسات مدروسة ومدعومة علمياً، أي ممارسات يمكنها حماية الجهاز العصبي، تحفيز طاقة الخلايا، وضمان الاستدامة الحيوية على المدى البعيد
في بيئة عصرية تكافئ دائماً المبالغة في بذل الجهد، كيف يمكننا تغيير عاداتنا لمواجهة التوتر المزمن، وماذا يقول العلم عن قدرة الجسم الطبيعية على التعافي؟
لطالما أثارت اهتمامي تلك الصلة بين صحة الخلايا، إنتاج الطاقة، تنظيم الجهاز العصبي، والعافية الشاملة. فالكثير مما نشعر به – سواء فيما يتعلق بمستويات الطاقة، أو التركيز، أو المرونة، أو القدرة على التعافي، أو حتى التوازن العاطفي، يرتبط بشكل عميق بصحة وميتكوندريا خلايانا، أي تلك المكونات التي تعرف غالباً باسم "محطات توليد الطاقة" لأنها تؤدي دوراً حيوياً في إنتاج الطاقة التي تعتمد عليها أجسامنا لتؤدي وظائفها الحيوية على النحو الأمثل. وفي عالم اليوم، يعيش كثير من الناس في حالة مستمرة من فرط التحفيز والتوتر والإرهاق، من دون أن يدركوا تماماً التأثيرات طويلة الأمد لذلك على أجسامهم.
ومن خلال تجربتي الشخصية والفلسفة الخاصة بأكاري، أصبحت أبدي اقتناعاً بأن العافية لا ترتبط غالباً بالقيام بمزيد من الضغط أو ببذل الجهد الشاق، بل تكمن أكثر في تهيئة الظروف الملائمة التي تتيح للجسم التعافي وتنظيم وظائفه واستعادة توازنه بشكل طبيعي من الداخل. إذاً إليك بعض الطقوس اليومية وممارسات العافية التي أحرص شخصياً على اتباعها لدعم الطاقة الخلوية، الوظائف الإدراكية، طول العمر، والحيوية العامة.
تخبرنا كاتيا عن هذه العادات الـ10 الأساسية وأشكال العلاجات الفيزيولوجية التي تشكل أساس نهج مستدام قائم على ركائز علمية وتساهم في تعزيز الصحة والعافية:
1. ابدأ يومك بحالة من السكون
عند الحديث عن بدء اليوم، تقول كاتيا: "من أبرز العادات التغييرية التي أضفتها إلى حياتي بدء اليوم وأنا أعيش حالة من السكون. بالفعل، يمكنني التأمل لمدة 10 إلى 20 دقيقة، قبل أن أتفقد هاتفي أو أنخرط في وتيرة اليوم المتسارعة، فهذا يساعد على تغيير حالة جهازي العصبي بشكل تام. نعم، نحن نعيش في عالم يكافئ التحفيز الدائم، إلا أن منح العقل والجسم بعض الراحة لتمكينهما من استعادة التوازن، يولد شعوراً بالصفاء والثبات والتوازن، وهي مشاعر ترافقنا طوال اليوم".
2. احرص على النوم العميق المجدد للطاقة
يُعدّ النوم عنصراً ضرورياً لترميم الجسم وتهيئته، وهو إحدى أكثر آليات التجدد الطبيعية فعالية، إذ يعمل في الخفاء على إعادة تنشيط كل شيء، من الطاقة الذهنية إلى الخلايا، ما يساعدك على مواجهة تحديات الغد. وهذا ما تشدد عليه كاتيا حيث تقول إن "النوم هو إحدى أفضل الوسائل التي تساعد الجسم على ترميم قدراته، التعافي، وتجديد خلاياه".
وتضيف: "فخلال مرحلة النوم العميق يقوم الجسم بمعظم عمليات الترميم وتجديد الطاقة. ولهذا السبب، تكتسب طقوس المساء الهادفة أهمية بالغة. فالحد من الاعتماد على الضوء الصناعي ومن تأثير المحفزات قبل النوم، والحرص على الالتزام بالأوقات، قد يؤثر بشكل فعال على الطاقة، المرونة، المزاج، والوضوح الذهني".
3. تعرّض للضوء الطبيعي أولاً
قد يبدو هذا أمراً بديهياً، لكن كاتيا تشدد على أن التعرض للضوء الطبيعي هو إحدى أكثر الوسائل التي نلجأ إليها فعالية لتحقيق التوازن على مستوى ساعتنا البيولوجية: "يعتبر الضوء الطبيعي إحدى وسائل العافية التي لا يقدرها الكثيرون والتي تتوفر لدينا. فضوء الصباح يؤدي دوراً مهماً في تنظيم ساعتنا البيولوجية، دعم مزاجنا، أدائنا الإدراكي وكل عملية إنتاجنا للطاقة. حتى ممارسة نشاط بسيط مثل المشي لمدة قصيرة في الهواء الطلق صباحاً يمكن أن تؤثر إيجاباً على صحة الدماغ وتوازن الجهاز العصبي".
4. حرّك جسمك
بالطبع تعتبر الحركة المنتظمة عنصراً مهماً آخر لا يمكننا إغفاله: "الحركة ضرورية لتعزيز الدورة الدموية، عملية مدّ الجسم بالأوكسيجين، صحة الميتوكوندريا، وإطالة العمر. لكنني أرى أيضاً أننا اعتدنا على ثقافة الإجهاد المفرط في مجال العافية. لا، لا ينبغي أن يكون الهدف دائماً هو ممارسة التمارين عالية الكثافة، فاستعادة العافية لا تقل عنها أهمية. وهكذا يعني دعم الجسم تحقيقَ التوازن بين الحركة، التعافي، وتنظيم الجهاز العصبي، أكثر منه البقاء في حالة من التوتر المستمر".
5. عزّز فعالية استخدام الأوكسيجين
بالانتقال إلى ما هو أبعد من الروتين اليومي، تقول كاتيا إن "الأوكسيجين يؤدي دوراً أساسياً في إنتاج الطاقة الخلوية وتعزيز الحيوية العامة. وقد صممت علاجات مثل IHHT (أي التدريب المتقطع الذي يعتمد على نقص الأوكسيجين ثمّ كمية الأوكسيجين المفرطة)، لدعم فعالية استخدام الجسم لهذا العنصر الحيوي على مستوى الخلايا، كما لتحفيز المرونة، التعافي، ووظائف الميتوكوندريا. إنه أحد الأسباب التي جعلت هذا العلاج يشكل جزءًا مهماً من رؤية أكاري"
6. أضف العلاج بالضوء الأحمر إلى روتينك
يتزايد إقبال الناس على إضافة العلاجات المدعومة علمياً إلى روتينهم اليومي، وتؤيد كاتيا هذا التوجه بقولها: "يتزايد الاهتمام بالعلاج بالضوء الأحمر لأنه يتسم بالقدرة على دعم وظائف الميتوكوندريا، الحد من حدوث الالتهابات، تعزيز عملية التعافي، وتخفيز الحالة الصحية عموماً. وما يثير اهتمامي على مستوى هذا العلاج هو أنه يمنح شعوراً عميقاً بالترميم والتجديد. إلا أنه لا يتطلب في الوقت نفسه بذل أي جهد. وفي أكاري، نستخدم العلاج بالضوء الأحمر لكامل الجسم كجزء من فلسفة أوسع تتمحور حول العافية الخلوية والحيوية طويلة الأمد".
7. تخلّص من العبء الذهني الزائد
ربما يصعب التخلص من العبء الذهني الزائد في مجتمعنا الحديث الذي يعتمد على التواصل الدائم، إلا أن كاتيا توضح أن هذا لا يشكل حالة طبيعية في حياة البشر وخصوصاً في حال استمر لمدة طويلة: "لم تصمم أدمغتنا أبداً لمواجهة سيل الإشعارات، المعلومات، والمحفزات التي نتعامل معها يومياً. بالفعل، لا بد من وضع حدود لاستخدام التكنولوجيا ومن التخلص من العبء الذهني الزائد، فهذا يساعد بشكل كبير على تحسين حالة الصفاء الذهني، التركيز، تنظيم المشاعر، وعملية تعافي الجهاز العصبي. ففي بعض الأحيان تبدأ العافية ببساطة من توفير مزيد من الهدوء".
8. غذّ جسمك بطريقة مدروسة
"يحتاج الجسم إلى العناصر الغذائية المناسبة لإنتاج الطاقة بكفاءة والقيام بوظائفه على النحو الأفضل. وهكذا يؤدي الترطيب، توازن المعادن، البروتين، الدهون الصحية والأطعمة الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية دوراً مهماً في ما يتعلق بدعم الأداء الجسدي والذهني. فالعافية لا تعني فرض القيود الصارمة، بل منح الجسم ما يحتاج إليه حقاً ليزدهر ويتمتع بصحة جيدة".
9. أفسح المجال لتنظيم المشاعر
"غالباً ما لا نقدّر مدى تأثير الضغط العاطفي على أجسامنا من الناحية الفيزيولوجية. فالممارسات التي تدعم الصحة العاطفية – سواء على مستوى العلاج النفسي، أو تدوين اليوميات، أو اليقظة الذهنية، أو التأمل – يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي على كل شيء، من صحة الجهاز العصبي إلى الالتهابات فدرجة التعافي. في الواقع، ثمة ارتباط عميق بين الصحة الجسدية والنفسية".
10. طوّر طقوساً تعزز طول العمر
لقد انخرطنا جميعاً في دوامة الحميات الغذائية الرائجة، برامج التحوّل الجسدي التي تستغرق ثمانية أسابيع، وكل ما يرتبط بالصحة والعافية من صيحات سيطرت على تيك توك خلال فترة ما. وقد جربناها جميعاً لنكتشف في النهاية أن الالتزام المكثف بالممارسات والقواعد أمر مستحيل. وهو ما تؤكده كاتيا التي ترى أن "العافية تعتمد على طقوس بسيطة نعود إلى ممارستها بانتظام. فمن النادر أن نجد علاجاً واحداً أو حلاً سريعاً يمكن أن يحدث تغييراً جذرياً على مستوى الصحة بين عشية وضحاها. وغالباً ما ينتج الأثر الأكبر على المدى الطويل عن العادات المستدامة، التعافي الواعي، العناية بالجهاز العصبي، والروتين الذي يدعم قدرات الجسم مع مرور الوقت. وبالنسبة إليّ يرتبط مفهوم طول العمر في جوهره بتعلم كيفية دعم الجسم برفق وفقاً لنهج منتظم واستباقي، وذلك قبل أن يتحول أي خلل في التوازن إلى حالة من الإنهاك التام".








