كيف يمكننا أن نصف الصحراء في إطارمختلف عن الرمال والكثبان؟ أو كيف يمكن أن نصف شجر النخيل وفق مفهوم أعمق يتجاوز المألوف في وصف النباتات؟ هذه بعض من الأطروحات التي أجاب عنها معرض "فن المملكة" الذي حط رحاله في المتحف السعودي للفن المعاصر بحي جاكس بالرياض.
يحاول معرض فن المملكة أن يقدم تفسيرات غير مألوفة للأشياء من حولنا، وأن ينظر نظرة مختلفة لما هو بديهي، أو أن يكسر الصور النمطية التي تقدمها لنا محركات البحث وفي مقدمتها غوغل، إذ يطوف معرض "فن المملكة" العالم لايصال مفاهيم جديدة، فمن البرازيل في العام 2024 إلى المملكة العربية السعودية في هذا العام ثم سيتوجه المعرض إلى المتحف الوطني في الصين، وكل ذلك بهدف تقديم سرديات جديدة حول المجتمع والذاكرة، ومحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن للفن المعاصر أن يعبّر عن الثقافة؟
الإنسان والنخيل وسر الوجود
قدمت الفنانة السعودية لينا قزاز عملاً فنياً مبتكراً بالاعتماد على أشجار النخيل، رصدت من خلاله تحولات النخيل مسلطةً الضوء على معضلة الوجود. فبخلاف تصور الإنسان العادي عن النخيل، تملك لينا قزاز تصوراً مختلفاً حيث ترى فيه مجموعة من الخطوط التي قامت بتتبع كل خط منها. فمنذ أقدم الحضارات كان النخيل رمزاً للنصر والتكاثر والإنتاج. لذا يملك روابطَ متينة مع الإنسان الذي يلجأ إليه في ظروف مختلفة. وهو النوع الذي ساهم في انتشار الحضارة البشرية. تقول لينا القزاز: "بالنسبة لي يمثل شجر النخيل الإنسان وفطرة الإنسان ومقاومة الإنسان".
طورت لينا سرديتها المبتكرة عن شجر النخيل من خلال العديد من الاقتباسات القرآنية ثم بدأت بتتبع البنية التشريحية للشجرة وصولاً إلى الخلية ومن هنا جاءت الصلة بين النخيل والإنسان. وحول استخدام اللون الأحمر تحديداُ في عملها الفني، تصف اللون الأحمر بأنه لون الطاقة والقوة كما أنه اللون الخاص بنوع خاص من النخيل يُسمى: Red Lipstick Palm
الملجأ والحماية
حقاً من غير المرجح أن تمنحك محركات البحث مثل هذه السردية القائمة على فلسفة خاصة ودراسات معمقة لجوهر الأشياء. إلى جانب لينا القزاز، قدم الفنان معاذ العوفي سردية أخرى مختلفة حول رؤيته الخاصة للأشياء، وقدم عملاً فنياً مبتكراً بالاعتماد على موهبته في التصوير، فإن سألت أي إنسان عن ماهية الملجأ بالنسبة إليه فلربما تحصل على الكثير من الإجابات المتباينة والتي ستدور في فُلك الحماية، ولكن أن تجد الحماية في مبنى منفرد على قارعة الطريق فهذا ما سرده العوفي من خلال عمله الفني "التشهد الأخير"، فالملجأ بالنسبة إلى العوفي هي مساجد بالغة البساطة بُنيت على جوانب الطرق المؤدية إلى المدينة المنورة، لتحتضن الأرواح الهائمة في الصحراء قبل وصولها إلى وجهتها.
وحتى سنوات قليلة لم تكن طائرات الدرون مستخدمة في التصوير الجوي على نطاق كبير، لذا فإن التصوير الجوي باستخدام الكاميرا من طائرة شراعية هو أمرٌ إستثنائي قام به معاذ العوفي في عمل فني مبتكر آخر بعنوان "أهل بانجيا"، وهنا يكشف العوفي في مشروعه عن مساحات صخرية شاسعة على أرض المملكة يعود تاريخها إلى تسعة آلاف سنة ويقول معاذ العوفي عن مشروع أهل بانجيا: " كان أول من التقط صوراً للـ Desert Kites هو طيار من الخطوط الملكية الفرنسية في منطقة سيناء وشمال الأردن، وجاءتني فرصة للعمل مع فريق إرث للتوثيق الجوي بين عامي 2015 و 2016 للتحليق بطائرة شراعية لشخصين حول منطقة خيبر بالسعودية فتمكنت من التقاط صور جوية، ثم بعد ذلك نمى لدي الشغف للقيام بمطاردة المنشآت الحجرية في مناطق مختلفة حول المملكة وتصويرها من الجو".
دمج الفن بالتقنية
ما يميز معرض فن المملكة هو الابتكار، والمجهود الكبير في تقديم أعمال فنية معاصرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وربما يمثل المشروع الفني الذي قدمته دانية الصالح ذلك حقاً، فقد استخدمت في مشروعها"حنّات" العديد من التفاصيل التقليدية وأخرى تقنية فاستخدمت الصور المنقولة والألوان المائية وطلاء الأكريليك وورق الألوان المائية والقماش القطني بالإضافة إلى 7 أجهزة عرض لتقديم 7 مقاطع فيديو، ليقدم هذا المزيج من العناصر فكرتها المبتكرة وهي تسليط الضوء على دور المرأة في الحضارات القديمة وصولاً إلى العصرالنبطي.
لم يتوقف الابتكار في معرض فن المملكة عند دانية الصالح، فقد ساهم 14 فناناً سعودياً آخر إلى جانب لينا القزاز ومعاذ العوفي ودانية الصالح بتقديم أعمال فنية معاصرة ورائدة لايصال رسائل جذابة تبين مدى قدرة الفن على تقديم سرديات جديدة لن تجدوها لدى محرك البحث غوغل، يمكنكم زيارة معرض فن المملكة حتى 24 مايو 2025، والتذاكر متاحة عبر تطبيق Webook.








