يستمد مطعم نسيم، الذي تم افتتاحه مؤخراً، اسمه من النسيم العليل. وهو يقدم تجربة طهو مبتكرة مستوحاة من المطبخ الشامي في موقع تراثي استثنائي في المملكة.
ويطل هذا المطعم الكائن في شيدي الحجر على مشهد يخطف الأنفاس، أي على موقع الحجر المدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي في العلا، حتى أن روعة المنظر تكاد تطغى على تجربة الطعام.
ولحسن الحظ فإن نكهات هذه الوليمة الصحراوية تستحق عناء الرحلة حيث تجذب الانتباه بعيداً عن مشهد غروب الشمس الساحر. ويذكر أن الحِجر هو مستوطنة تاريخية فريدة تقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية وتضم 111 مقبرة ضخمة ذات واجهة منحوتة بعناية لافتة، إضافة إلى آبار وقنوات مائية شيدها الأنباط قبل أكثر من 200 عام.
الأجواء والتصميم
يشكل تناول الطعام داخل مبنى حجري مرمم، كان في السابق جزءًا من محطة قطار تقع على خط سكة حديد الحجاز، تجربة مفعمة بالإثارة والتميز.
ويركّز تصميم الفندق عموماً على مفهوم يراعي سياق الموقع وطبيعته ويحقق التوازن بين الفخامة المعاصرة والحفاظ على البيئة مع الحد قدر الإمكان من التأثيرات الضارة. وهو يعتمد درجات ألوان الحجر الرملي، المعادن المصقولة، والزجاج للحفاظ على إطلالات بانورامية متصلة تبرز جمال الصحراء والمقابر النبطية القديمة. كذلك تستوحي عناصر التصميم الداخلي تفاصيلها من البيئة المحيطة بهذا الموقع التاريخي الفريد لتنسجم معه في تناغم تام.
قائمة الطعام
يصف الشيف راشد، وهو من أصول أذرية، توجهه في مجال الطهو بأنه مستوحى من مناظر العلا الطبيعية الساحرة وتراثها، ويقول في هذا السياق: "في مطعم نسيم، تتجسد هذه الرؤية من خلال النكهات الشامية، البراعة الحرفية، وكرم الضيافة التشاركية، حيث تضفي الخلطات المدروسة، التنفيذ المتقن، وطريقة التقديم الأنيقة طابعاً عصرياً على أطباق متجذرة في التقاليد".
وما يجعل التجربة أكثر جاذبية من الموقع والإطلالات هي فرصة استكشاف إبداعات الشيف وفهم مكانتها في سياق التاريخ. وقد صُممت قائمة الطعام -التي تستند إلى مبادئ المطبخ الشامي من حيث اعتمادها على النباتات والأعشاب الطازجة والتوابل الرقيقة والتوازن الدقيق للنكهات- لتتمحور حول المقبلات ومفهوم المشاركة الجماعية؛ غير أن حصرها في الثقافة الشامية وحدها لا ينصف الرؤية والخيال الكامنين وراء تنوع نكهاتها وتأثيراتها.
بدأنا تجربتنا بطبق الزيتون المتبل zaytoon parverdeh حيث يتحقق التوازن المثالي بين نكهة زيتون Taggiasca الحلوة والجوزية ومذاق الأعشاب، الثوم، الجوز والرمان - وهي مكونات تشكل جزءًا من قائمة مذهلة تضم 20 عنصراً تستخدم لإعداد هذا الطبق وحده. وقد قُدم لنا هذا الخيار مع قطع رقيقة من محار الإسكالوب، الحمص بالريحان، تارتار لحم البقر، والخضار النيئة والمقرمشة. نعم، يبدو مجحفاً أن يتم وصف هذا الطبق الافتتاحي ببضع كلمات: فقد تفجرت النكهات في فمي لتجمع توليفات فريدة لم يتسنَّ حتى لعشاق المطبخ الشامي المتمرّسين تجربتها من قبل.
وهكذا تضمنت المرحلة الوسطى من الوجبة طبق كبد الإوز أو الفوا غرا المحمّر، الأخطبوط المشوي مع نكهة فحمية خفيفة، وعرايس لحم الحمل الصغير، فيما شملت قائمة الأطباق الرئيسية – إلى جانب أضلاع لحم البقر شورت ريبس، البروكوليني المشوي، والبطاطا المحضرة على طريقة الحِجر - طبق صيادية سمك التوث فيش، أو سمك قاروص تشيلي الذي يتميز بقوام زبدة غني ويقدَّم مع مرق البصل المكرمل جيداً والأرز المتبل. وهذا الطبق وحده يستحق عناء زيارة مطعم نسيم.
وترافقت الأطباق الثلاثة الأولى مع موكتيلات محضرة بعناية وموقعة من نسيم، فيما قُدّمت القهوة والشاي السعوديان مع الحلوى. ويحتوي كوكتيل Wild Berry Basil Fizz على مزيج التوت والفراولة وعصير الليمون والماء الفوار والريحان الطازج، فيما يجمع كوكتيل Citrus Festival حلاوة أفندي العلا اليوسفي، الليمون الطازج، شراب الزنجبيل، العسل، والماء الفوار. أما أبرز أصناف قائمة مشروباتنا فكانت التبولة السائلة، وهو خيار بدا غريباً للوهلة الأولى، لكنه كان رائعاً: مزيج يحقق التوازن بين الحلاوة والملوحة ويجمع الأعشاب، عصير الليمون، ماء الطماطم، شراب العسل، والسماق، فضلاً عن البرغل المقرمش. إنه خليط منعش وفاكهي، بارد وحارّ في آن، وبالطبع، الطعم لا يُنسى.
الخدمة والتجربة عموماً
يشرح طاقم الخدمة للضيوف قصة قائمة الطعام التي أبدعها الشيف التنفيذي، راشد أحمد زاده، ومصادر مكوناتها المحلية، حيث يسلط الضوء على تفاصيل الأطباق المعقدة - مثل طبق الزيتون المتبل zaytoon parverdeh الذي يحتوي على نحو 20 مكوناً – ومصادر المكونات السعودية الأصيلة. وهنا، تجمع الخدمة المقدمة كرم الضيافة السعودية التقليدية الدافئة وأسلوب فنادق GHM المميز والذي يمزج الطابع الآسيوي ومفهوم الفخامة الراقية والهادئة، وحيث ينصب التركيز على تقديم خدمة مصممة لتلبية احتياجات كل ضيف مع الاهتمام الكبير بأدق التفاصيل.
ومن جهته، يطمح الشيف راشد إلى ابتكار تجارب طعام متجذرة في محيطها ومختارة بعناية فائقة، لتبقى راسخة في الذاكرة حتى بعد الانتهاء من تناول الطبق الأخير. وقد نجح في تحقيق هذا الطموح. وما زلت أحلم بتلك الليلة المميزة حيث استمتعت بالإطلالة على المدينة القديمة وسط مناظر طبيعية آسرة تنتشر على طريق البخور التي شهدت نقل التوابل من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى منطقة البحر المتوسط وبلاد ما بين النهرين. وحتى في أحلامي، ما زلت أشعر بمذاق تلك التوابل.
للحجز، اضغط هنا








