صحيح أن كل ما يحتاج إليه الفنان عادةً هو إغلاق باب غرفته والانشغال بفنه، إلا أن مخزون الفن ينفد أحياناً، ونفاذه يولد الشعور بالهلع والمأساة. وقد تلزمني إعادة تعبئته بالاختلاط بالناس - من قريب أو بعيد- ومراقبتهم، والاستماع إلى حواراتهم، أو بتأمل طبيعة خلّابة تحجّم مشاكلي وتلهمني العودة لإكمال عملي.
منذ استقراري في شرق الرياض وأنا أبحث عن أماكن مناسبة لأرتادها داخل حدود ركني الشرقي، فلعبة الأركان الأربعة منهكة في غرفة الرياض الفسيحة.
وما أتوقعه من الأماكن مختلف قليلاً؛ صحيح أنني، مثل الجميع، ألاحق القهوة "المضبوطة" وأستمتع بالنكهات غير العادية، وأطرب للتكييف البارد (قراءة هذا المقال في أشهر الصيف المشتعلة ليست كقراءته في أيام الشتاء)، ولكن على رأس الهرم لديّ تتربع رغبتي بالجلوس في أماكن تعينني أجواؤها على القيام بمهمة الكتابة، خصوصاً حين تعصاني الأفكار ويتمرّد عليّ المِداد .
لست دليلك السياحي إلى شرق الرياض، بما تعنيه حرفياً هذه الكلمات، لكنني سآخذ بيدك إلى أماكن مختلفة زرتها وأظن أن كل فنان سيُسر بالذهاب إليها.
فطور في زمن مضى
دخلت إلى مقهى الحضارة في المرة الأولى خطأً. حينها كنت أبحث عن مكان أشرب فيه قهوتي، إلا أنني ما لبثت أن عدت إليه ثانية وثالثة ويومياً لمدة شهر.
تخيل نفسك جالساً على مقعدٍ أحمر عتيق الطراز، أمامك طاولة زجاجية في داخلها قطعٌ نفيسة، من ريالات نادرة مستردة من سفينة أُغرِقت في الحرب العالمية الثانية، إلى أشرطة فيديو عن جرندايزر وهايدي والنحلة زينة وغير هذا مما سيعيد إليك تلك الرائحة المرتبطة بماضٍ كنت فيه عن الأيام أرضى.
ثم عُد إلى الواقع، وارفع رأسك لترى بقية المكان الشعبي: نوافذ الزينة، والأرجوحة عند الباب، والمصابيح الزرقاء القديمة، وسفرة الحصير الشعبية.
بالفعل، تعبر بوابة مقهى الحضارة إلى الماضي، وهنا ستتذوق فطوراً طعمه ثانوي رغم لذّته، وستسرق طيات التفاصيل المعدّة بإتقان لحواسك الأخرى، إذا فتحت عينيك جيداً.
في هذا المقهى جلسات خارجية... أعرف ما تفكر فيه وأوافقك الرأي. فكرة الجلسات الخارجية منفرّة في هذه الأيام الحارة، وإن توفر في المقهى الظلُ والتكييف. لكن لا بأس، فمصير فصل الشتاء الحلول، وحينها لا يمكن تفويت جلسات هذا المكان الخارجية أبداً.
هل انتهيت من تناول فطورك؟ إذاً أرجو ألا تغادر المقهى قبل أن تستكشف مزيداً من القطع الأثرية الموزعة داخل الطاولات. فقد تجد أطباقاً من قصر الملك سعود رحمه الله، أو بقايا مناهج مدرسية اندثرت، أو غير هذا مما يستحق التأمل.
خيارات بديلة
مطعم دوار السعادة: خذ فطورك وتناوله مشياً متنشقاً هواء الصباح، في الأيام غير الحارة طبعاً.
مطعم فسحة: إذا احتجت إلى جرعة من الحنين لأيام المدرسة.
بعد الفطور... القهوة
تفضيلي العمل في الأماكن العامة يطابق تفضيل الكاتب الإنكليزي نيل جايمان: أحتاج إلى مكان متوسط الزحام خافت الأصوات، لأشعر بحضور البشر حولي فيما أعمل، من دون أن تغرق أفكاري في بحر ضوضائهم، أو تشتتها.
لذا، اخترت مقهى حيّ الصغير الذي يبدو كشقة للعزّاب في الرياض، فهو أفضل مقهى تمكن من تلبية طلبي المعقّد.
يكاد هذا المكان لا يتسع لأكثر من 12 كرسياً، أما رواده فهم من سكان الحي الذين يأتون إليه فرادى أو مثنى، ما يضمن مراقبة وضبط ذاتيين لمستوى الصوت. ففي هذا المكان الصغير، قد لا تحتاج حتى إلى سماعاتك، فهمسات الناس الخافتة هي أفضل ما تحتاج إليه لأداء مهمتك الإبداعية.
أما ديكور المقهى فهو بسيط وأنيق وقد لا يتطلب أكثر من أدنى مستويات اهتمامك. دقائق معدودة تكفي لتتأمل الأثاث الخشبي الغامق، الأشجار الخضراء الموزعة، الدولاب الأبيض المهترئ، آلة الكتابة البيضاء الأنيقة المتربعة على أحد الرفوف، وحتى ساعة الجدات البنية العتيقة. كل هذه التفاصيل تختبئ في الخلفية، وسرعان ما تعتادها عيناك بعد ملاحظتك الأولى لها، فتتلاشى من حقل نظرك لتصبح، كما الأصوات، مجرد أدوات تساعدك على الاندماج أكثر في فنّك.
قد تكون مشكلة مقهى حيّ الوحيدة هي ميزته الأبرز، أي مساحته الضيّقة التي تجبرك على اختيار أوقات زيارتك كي لا تأتي إليه وهو يغصّ بالزوار، كقهوةٍ فارت فتدفقت من شفة غلايتها.
خيارات بديلة
مقهى مكث: فور دخولك، توجه بسرعة إلى آخر المقهى لحجز المكان الأفضل المطل على مساحة خضراء صغيرة. وفي أيام الإجازات اختر مكاناً لك خارجه لأن داخله سيكون شديد الازدحام.
مقهى تيرا: هو قِبلة للفن في شرق الرياض حيث يوفر الأجواء الملائمة لاجتماع الرسامين الذين يؤمونه من كل مكان في العاصمة.
مقهى بي هايف آرت: قبلةٌ أخرى للفنانين، إذ يخصص طابقاً لهؤلاء يتيح لهم التعارف وممارسة فنونهم، بعيداً عن أنظار العامة وأحاديثها... أيّ كما يحبون.
ذائقة من زمن الطفولة
حان وقت الغداء ولكن...
تقول أمي إنني أمتلك حاسة تذوق طفل في السادسة. والحقيقة أن ما في وصفها من الدقة يفوق ما فيه من السخرية. فأنا لا أحب كل ما يرفضه الأطفال، مثل التمر والزبيب والعسل. كما أنني ما زلت أقيّم الطعام بناءً على شكله ولونه وقوامه.
إذاً ما الذي يجعل متذوقاً مثلك يقرأ مراجعة كاتب مثلي، نسي حاسة ذوقه على مقعده في الصف التمهيدي؟
في الواقع، ليس في جعبتي سوى اقتراحات متواضعة لأماكن لم تقدم لي الطعام فقط، بل تجارب استثنائية أيضاً.
واجهة روشن: لو استلفنا سحب بريطانيا، لأنجزتُ كل قصصي في واجهة روشن: سينما، مطاعم، مقاهٍ، كثير من الناس والمحادثات أمامي ومن حولي، عروضٌ موسيقية وفنية ومكتبات متحركة تظهر فجأة كفكرة حسنة في رأس مبدع.
النخيل مول: أهو الجسر الغريب، أم المواقفَ المدهشة، أم الأشخاص المثيرون للدهشة؟ ما استطعت تحديد سبب جذب هذا المجمع التجاري لي. فهو وجهتي الأولى المعتادة كلما أردت شراء شيء ما، أو التنزه في وقت الظهيرة حين تحترق الأرض.
قيلولة أدبية
تحتاج بعد هذا الجهد إلى أن بعض الراحة في مقهى هادئ.
ورغم أنني أضفته إلى قائمة اقتراحاتي، لا بد لي من الاعتراف بأن التوتر والتعقيد هما السمة الأبرز لعلاقتي بمقهى أدب. فأنا لا أحب المقاهي المريحة جداً. لذا لا يمكنني إنجاز أي عملٍ فيه من دون التثاؤب حد الضجر. ربما هي ردة فعلي الطبيعية على ليونة الأرائك، وهدوء الإضاءة، وجودة التكييف، وجو المكان الذي يرتقي إلى كل الصور المعروفة عن الأدب والأدباء.
والآن أتخيلك باحثاً بعد الغداء عن مكانٍ هادئ تخلد فيه إلى الراحة وتقرأ، أو ترسم، أو تلتقي صديقاً. ومقهى أدب هو المكان المناسب، فصوتكما سيضيع في مساحته الكبيرة وتحت سقفه العالي، إذ سيخيّل إليك أن طابقاً واحداً يفصل بينه وبين السماء.
خيارات بديلة
شاي التينة: لست من عشّاق الشاي، لكن مزيج المكسرات والشاي المضبوط يملأ كل الرؤوس.
قهوة سفري من ديلي كب ومتحف الحمدان الأثري: جرّب أخذ قهوتك من أحد المنافذ، سيراً على قدميك وليس من شباك سيارتك، ثم استقلّ آلةً الزمن وعش زمانك أو زمان آبائك في المتحف الذي يعرض كل شيء، من أقدم آلات التصوير في تاريخ المملكة، إلى السيوف والبندقيات الأثرية، فالدكاكين الأثرية التي لو رآها من عرفها لتذكر ماضياً كان فيه عن الأيام أرضى.
*قبل ذهابك إلى المتحف، احرص على معرفة أوقات عمله.
وردية الليل
يختلف الشعور بعد المغيب بين شخص وآخر، فقد تقضي بداية ليلك في مجمع غرناطة التجاري الكبير (أشعر حين أراه بأنني طفل ضائع في أحد المولات). وقد تفضل مشاهدة فيلم "أحلام العصر" في سينما ريل كما فعلت بنفسي، وقد تجتاز خريطة الرياض لتذهب شمالاً لحضور أحد لقاءات الشريك الأدبي في مقهى تشكيل أو صوفيا.
وأياً كان نوع الفن الذي تمارسه، يمكنك أن تستعين بالتطبيقات الاجتماعية مثل ميت أب للبحث عن أقرانك الذين ينتظرونك غالباً في مقهى قريب.
نجمة آخر اليوم
قيل الكثير عن صوت الصمت، لكنني أرى أن هذا الكثير لا يُعد كافياً لأن الإحساس بالصمت ليس قابلاً للوصف. فإحساس الصمت يُعاش. لذا توصيتي الحقيقية هي: أوقف سيارتك في الحديقة، واسبر أغوار الحي الهادئ العجيب.
وفي هذا المربع السكني حيث تهدأ الحركة كلما توغلّت في أعماقه، يصبح صوت خطواتي أشد إزعاجاً. وهنا وجدت شجرةً نصف حيةٍ نصف ميتة، ومقعداً متروكاً في منتصف الرصيف، وباباً تنتشر من حوله الأغصان وتتداخل يابسةً ومحاصرةً للممر الضيق الذي يفضي إليه، وصمتاً كافياً لتأمل كل هذا.
بالنسبة إلي تحمل تجربة المشي في بعض الأحياء والأماكن الشعور بذلك السحر الغامض. فهي تنضح بأنصاف أسرار أكملها بمخيلتي، وهذا أفضل بمئة مرة من المشي الرتيب المعتنى بأصغر تفاصيله. الفن فعلٌ يبدأه التأمل في ظني، ولا شيء يساعدك على التأمل مثل نزهةٍ في المربع المحيط بهذه الحديقة، حديقة الجزيرة في شرق الرياض، نجمة آخر اليوم، نقطة على آخر السطر....
خيارات بديلة
ممشى الروضة: إن كنت تبحث عن مسارات مشيٍ تقليدية أكثر.
حديقة الأمير عبد العزيز بن عيّاف: صديقي الرياضي الذي ساعدني على اختيار اقتراحاتي أصر على ذكر هذه الحديقة. وهو يقول إن فيها محلّات شاي، وعربات طعام، وأماكن ممتازة للجلوس. إذاً أنا غير مسؤول عن هذا الاقتراح.








