الطعام والشراب

كل ما يجب أن تعرفه عن ثقافة القهوة في الرياض

اكتشف أسرار ثقافة القهوة في الرياض، تقاليدها وآدابها، وتأمل مشهد المقاهي المتنامي في كل الأحياء. فما رأيك أن تبدأ رحلتك من مقهى إكسير البن؟ أو من هاف مليون، أو خطوة الجمل أو ربما مقهى برو 92؟

بواسطة /
2 سبتمبر 24
كل ما يجب أن تعرفه عن ثقافة القهوة في الرياض

لا ليس النفط… القهوة هي الذهب الأسود الجديد في السعودية، فتقليد إعدادها يعود إلى قرون مضت، إلا أنه يشهد الآن ازدهاراً بفضل الجهود الحكومية التي تبذل لتشجيع زراعة القهوة المحلية، ونظراً إلى افتتاح عدد كبير من مقاهي الموجة الثالثة في كل أنحاء البلاد. ولا شك في أن هذا ساهم في نشأة مسار سياحي جديد يمكن أن نطلق عليه اسم سياحة القهوة. نعم، لقد بات بإمكانك مثلاً القيام بجولات في المزارع الكائنة في مناطق جنوب البلاد، لمشاهدة الطرق التي تُعتمد لحصاد الحبوب البنية اللذيذة.

في القرن الخامس عشر، بدأت ثقافة القهوة في شبه الجزيرة العربية بالانتشار مع تحوّل المقاهي في مكة المكرمة إلى مراكز اجتماعية. وهي ظاهرة شهدتها الإمبراطورية العثمانية قبل أن تبلغ أوروبا. وفي السعودية، لا تعتبر القهوة مشروباً فحسب، بل أحد أبرز رموز الضيافة أيضاً. لذا يشكل تقديمها لشخص ما دلالة على الكرم وطريقة مميزة للترحيب.

ومن خلال هذا الدليل الشامل، سنقدم لك كل ما يجب أن تعرفه عن ثقافة القهوة في الرياض. سنجيب على أسئلة قد تطرحها عن تقاليد القهوة المتبعة في المدينة، عن سبب الشعبية الكبيرة التي تحظى بها القهوة في المملكة، كما عن قواعد وآداب احتساء القهوة وغير ذلك.

ما نعرفه عن تاريخ ثقافة القهوة في الرياض

في القرن الخامس عشر، فتحت أولى المقاهي أبوابها في مكة المكرمة أمام الحجاج العائدين إلى ديارهم. فقد كان هؤلاء يحرصون على تذوق القهوة العربية في تلك الأماكن. ومنذ ذلك الوقت، انتشرت ثقافة القهوة في المنطقة، ثم ازدهرت ليصبح هذا المشروب جزءًا لا يتجزأ من قواعد الضيافة السعودية.

في الواقع، لكل منطقة في السعودية ذوقها الخاص في ما يتعلق بالقهوة العربية التقليدية. لذا، يتختلف طعم هذه القهوة بين وجهة وأخرى بحسب النكهات التي تضاف إليها. ولأن الرياض هي أكبر المدن السعودية وأكثرها انفتاحاً على العالم، فإنها تقدّم لضيوفها قهوة تجمع الأنواع المختلفة. وهي ليست فاتحة جداً ولا داكنة جداً، كما أنها تحتوي على نكهات القرنفل، والزعفران، والهيل.

وفي المملكة تُعد ثقافة القهوة أسلوب حياة (للعلم، فقد أضيف البن الخولاني السعودي مؤخراً إلى قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي). وفيما أصبحت المقاهي التقليدية أماكن لعقد اللقاءات الاجتماعية منذ القرن الخامس عشر، ها نحن نشهد اليوم طفرة في عدد مقاهي الموجة الثالثة. وتطلق هذه التسمية على المقاهي التي تهدف إلى جعل روادها يشعرون بالتميز، من خلال إطلاعهم على معلومات تتعلق بمنشأ حبوب البنّ وطرق تحميصها، بهدف إبراز جوانب أكثر عمقاً من طعم الحبوب ولونها. ومع حظر المشروبات الكحولية، أصبحت هذه المقاهي مساحات اجتماعية يقصدها أبناء الجيل الشاب. لذا، يستقبل بعضها الرواد حتى وقت متأخر ليلاً، فيما لا يغلق بعضها الآخر أبوابه على مدار الـ24 ساعة. وكما يظهر من خلال الصور التي يتم نشرها على مواقع التواصل مثل إنستغرام، يتميز العديد من هذه المقاهي بتصاميم داخلية غير عادية. إذاً يمكننا القول إن المملكة هي عاصمة القهوة في الشرق الأوسط، وإن الرياض هي قلب هذه العاصمة.

كيف أختار القهوة في الرياض؟

تُصنع القهوة العربية التقليدية، أو كما نسميها هنا القهوة السعودية، من حبوب البن الخولاني التي تُزرع في المناطق الجنوبية الخضراء في البلاد. وهي تحظى بشعبية واسعة في الرياض وخارجها، ويشكل تقديمها، منذ قرون خلت، طريقة للترحيب الحار بالضيوف. ويشكل صنع القهوة طقساً بذاته. وفي هذه الحالة، يتم اختيار الحبوب الجيدة وتحميصها على النار قبل طحنها باستخدام مدقة وهاون لتُخمّر لاحقاً مع الهال في الدلة (إبريق القهوة التقليدي ذهبي اللون). وبعد هذا تُسكب القهوة الساخنة في فناجيل مصنوعة من السيراميك (فناجين صغيرة من دون مقابض) لتقديمها للضيوف. ويشار إلى أنه يتم تناول هذه القهوة من دون حليب، وأنها أقل سماكة من القهوة التركية. أما طعمها فهو مرّ بعض الشيء، علماً أنها قد تكتسب مذاقاً حاراً في حال أضيف إليها القرنفل أو الكمون أو الزعفران.

وتتوفر أنواع عدة من القهوة، فلكلّ من مناطق المملكة نكهتها الخاصة. لذا، تحتوي نسخة المناطق الغربية على الهيل والقرنفل والزعفران، فيما تضاف إلى خلطة المناطق الجنوبية نكهات الزنجبيل والشمر والقرفة.

أما مقاهي الموجة الثالثة، أي التي تتميز بقوائم طعام وشراب مماثلة لتلك التي يتم تقديمها في الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا، فتحرص على إعداد القهوة ذات المصدر الواحد، وأنواع القهوة الخاصة مثل الفلات وايت، وV سيكستي، والإسبريسو. ورغم هذا لا بد من أن تجد في السعودية بعض اللمسات المحلية، مثل القهوة لاتيه بحليب الإبل التي تُقدَّم في أحد أفضل المقاهي في الرياض، أي مقهى "إكسير البن".

ما المقاهي التي يجب زيارتها في الرياض؟

تعتمد الإجابة على المدة التي تريد تمضيتها في المقهى. ففي بعض المقاهي المريحة والممتعة للغاية في الرياض، يمكنك قضاء ساعتين لتناول الطعام، فيما يمكنك شرب القهوة فقط في بعضها الآخر. وفي هذا السياق، يحرص بعض مقاهي الموجة الثالثة على تقديم القهوة بالطرق الغربية فقط، ومنها مثلاً مقهى هاف مليون ومقهى خطوة جمل ومقهى برو 92. وفي المقابل توفر مقاهٍ أخرى قوائم طعام تجمع النمطين، الملحي والغربي، إذ يقدم كافيه بتيل قهوة سعودية مميزة مع التمر، إلى جانب الكورتادو والقهوة الفرنسية، أو القهوة السعودية مع شراب التمر والزعفران.

يتزايد عدد المقاهي في الرياض، وهي تجذب الرواد من كل الأعمار، وتقدم قوائم طعام غنية وحلويات مميزة. كما أنها تتسم بالتصميم الأنيق وبمساحات العمل البعيدة كل البعد عن الضغط والتوتر. إذاً توجه إلى شارع التحلية لتجد أكبر تجمع للمقاهي. وهنا يستقطب مقهى سوسيال كافيه بأضوائه العتيقة وأطباقه اللذيذة وموسيقاه الحية، جمهور الشباب، فيما يبهر مقهى فابريكا دي كافيه الأنظار برفوف السيراميك المعلقة على جدرانه. أما مقهى مون شل فيعتبر ملاذاً جميلاً للنباتيين.

وإذا أردنا الحديث عن ثقافة القهوة في الرياض، لا بدّ لنا من ذكر مقهى إكسير البن الذي يتميز بديكوره الداخلي البسيط المصمّم على الطراز العربي. فهنا يوزّع الكعك العربي اللذيذ مع القهوة السعودية مجاناً عند حلول موعد الإفطار في أيام شهر رمضان. ولا ننسى مقهى اندرينا، المكان المريح حيث يمكن الاسترخاء على أرائك تشيسترفيلد وسط جدران مبنية من الطوب. في الحقيقة، إنه المكان المناسب لإنتاج نسخة سعودية من مسلسل "فريندز". أما مقهى وثبة الكائن في حيّ النرجس في المدينة، فهو مزيج أنيق من المكتبة والمقهى.

وماذا لو أردت تمضية وقتك في أحد مقاهي الرياض ليلاً؟ في هذه الحال، ليس عليك سوى زيارة مقهى ذا بالم الذي يتميز بطابعه الاستوائي و يفتح أبوابه على مدار الـ 24 ساعة. ولا تتردد في الجلوس إلى طاولة مقهى هاي سعودي، أو مقهى تيل أس الذي يُعد ملتقى ليلياً آخر للشباب في سن العشرين.

إتيكيت المقاهي في الرياض

Close-up of a man in traditional dress pouring Qahwa Arabia out of a dallah into a finjen

ربما أصبحت تعرف معلومات مفيدة عن ثقافة القهوة في الرياض. وقد تطرح الآن السؤال عن إتيكيت القهوة المتبعة في مقاهيها. فأنت تعرف أن القواعد المعتمدة في مقاهي الموجة الثالثة هي نفسها في كل أنحاء العالم. لكن للقهوة السعودية خصوصيتها. ففي المناسبات الاجتماعية، تُقدَّم هذه القهوة في فناجين نصف ممتلئة، وتُحمل باليد اليمنى، وتُسكب للضيوف حسب العمر والأهمية. ويعني هذا أنه يتم تقديمها للأكبر سناً أولاً. ومن القواعد أيضاً أنه يمكن شرب ما يصل إلى ثلاثة فناجين خلال الاحتفالات، وأن هزّ الفنجان يشير إلى الاكتفاء وعدم الرغبة في شرب مزيد من القهوة. إذاً، ونظراً إلى كل ما تقدم، لا عجب في أن يحب أبناء كل البلدان العربية القهوة. فإن كنت من هؤلاء، إحرص على تناولها مع بضع حبات من التمر لتحصل على مذاق حلو رائع.