لا تعتبر المملكة العربية السعودية بلداً غنياً بالمعالم السياحية فقط، رغم أنها تضم عدداً من أروعها وأقدمها وأكثرها إثارة للاهتمام في العالم. فهي أرض المشاعر العفوية والإنسانية أيضاً. وهي لا تُعد موطناً للعرض فقط، بل للحضور أيضاً. وحين يقول الناس: كان عليك أن تكون هناك، يقصدون بذلك السعودية. بالفعل، لا يمكنك فهم ضوئها المتغيّر تماماً إلا إذا وقفت هناك، وبالطبع ليس من مكان أفضل لفعل ذلك من جدة.
جدة، مدينة تعيش على ضفاف الماء، وتتيح للبحر الأحمر حرية التحدث عنها. ففي كل مساء، تميل هذه الحاضرة غرباً مع الشمس، فيما تظهر في السماء موجة مرجانية جذابة، ثمّ يصبح اللون أعمق حيث يتحول إلى ذهبي وبرتقالي قبل أن تندلع ثورة الألوان في مشهد غروب لا مثيل له في أي مكان آخر. وهكذا يلتقط البحر الأحمر كل لون ويعكسه، فيسلط نحو المدينة ضوءًا خافتاً. في الواقع، يشكل هذا جزءًا من إيقاع الحياة هنا. فأنت لا تشاهد ما يحدث فقط، بل تعيشه بكل تفاصيله أيضاً.
يعود ارتباط جدة بالبحر إلى قرون مضت. فقد شكّل الماء دائماً طريقة عمل الناس، تجارتهم، أوقات راحتهم، وصلاتهم. وما زال هذا التاريخ حياً على طول الكورنيش، أي على امتداد 30 كيلومتراً من الممرات، المنتزهات، المنحوتات، والساحل المفتوح. ففي كل مساء يصبح إيقاع الحياة بطيئاً، تتوقف السيارات، تتجمع العائلات، ويقف الأطفال خلف حاجز الحماية. وهنا، يمكن الجميع مشاهدة واجهة مسجد الرحمة البيضاء المبنية فوق الماء شمالاً، وهي تعكس ضوء النهار. وإذ يرتفع النداء إلى الصلاة بهدوء، يصمت أفق المدينة لبعض الوقت، ثمّ يتلاشى الضوء وتستعيد جدة إيقاعها المميز.








