السياحة المستدامة والصديقة للبيئة هي الهدف الذي يسعى العالم إلى تحقيقه منذ سنوات. والسبب؟ أن نسبة التلوث الناتجة عن استخدام السيارات وغيرها من وسائل النقل تخطت كل التوقعات. والدليل؟ النتيجة التي توصل إليها المجلس الدولي للنقل النظيف حيث أشارت التقديرات إلى أن انبعاثات النقل قد تصل إلى 9 جيغاطن تقريباً في العام 2025، أي قبل ربع قرن من الموعد المتوقع.
كذلك أظهرت إحصاءات أجريت في العام 2024 أن عدد السيارات في العالم ارتفع إلى 1.475 ملياراً، ما يعني سيارة لكل 5.5 شخص، أو 182 سيارة لكل 1000 شخص. وذكر تقرير لوكالة حماية البيئة الأميركية صدر في العام نفسه أن سيارة الركاب العادية تصدر نحو 4.6 أطنان مترية من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. فماذا لو ضُرب هذا الرقم بعدد السيارات؟ سيتم الحصول على نتيجة مرعبة.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير أصدرته شركة إدارة الثروات الخاصة، بيرنشتاين، إلى احتمال تضاعف عدد السيارات التي تتم قيادتها على الطرقات بحلول العام 2040.
قد يبدو المشهد مخيفاً، لكن الحلول كثيرة، ومنها الاعتماد على السيارات الكهربائية. فقد توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها أن يتم بيع سيارة كهربائية واحدة من بين كل أربع سيارات عادية في العام 2025. كما ذكرت أن نسبة المركبات الصديقة للبيئة قد ترتفع إلى 40% بحلول العام 2030. وفي انتظار تحقق هذا الحلم، لا بد لك من البحث عن وجهات خالية من السيارات حيث يمكنك قضاء إجازتك بعيداً عن الضجيج والتلوث. ولنساعدك، نقدم لك هذه القائمة.
1. زيرمات، سويسرا
زيرمات، هي أكبر القرى السويسرية التي لا تعتمد على السيارات. بالفعل، توفر لك هذه الوجهة الاستثنائية فرصة لقاء الجمال الطبيعي ووجهاً لوجه. وهكذا يمكنك تأمل سحر جبل سيرفان (أو ماترهورن) الذي يبلغ ارتفاعه 4478 متراً والذي يطل بشكله الهرمي المذهل على وادٍ خلاب. وهنا يجد السائح أروع حلبات التزلج وأكثرها شهرة في أوروبا، علماً أنه يمكن زيارة القرية في كل المواسم. ففي فصل الصيف مثلاً يمكن المتنزهين الاستمتاع بالمناظر المدهشة أثناء سيرهم على طريق محدد يبلغ طوله 400 كيلومتر.
بعد الوصول إلى مطار جنيف أو زيوريخ، يمكنك القيام برحلة إلى زيرمات على متن قطار. فهي ترتبط بشبكة كبيرة من السكك الحديدية ومن محطات القطارات. وفي حال اختيارك الذهاب إليها بالسيارة، اعلم أنه عليك ركنها في أحد مواقف بلدة تاش ثمّ الانتقال إلى القطار المتوجه إلى القرية.
2. خيتهورن، هولندا
في قرية خيتهورن (أو جيتهورن) الصغيرة في هولندا، تبدو الأجواء الهادئة أشبه بحلم يتحقق. والأهم أنّ هذه الوجهة تخلو من السيارات. في الواقع، لم يتم شقّ الطرق المناسبة لها. إذاً يمكن السكان المحليين والزوار الوصول إلى البلدة بطرق سهلة ومريحة: على متن دراجة هوائية أو قارب أو ربما سيراً على الأقدام. فهنا، حيث تربط الجسور مجموعة من الجزر الصغيرة، لا شيء لتفعله سوى الاستمتاع بالسكون والعزلة أثناء قيامك بنزهة وسط منازل المزارع ذات الأسقف المصنوعة من القش، أو على الجسور التي تعبر القنوات.
وفي حديقة فيريبن فيدن الوطنية، يمكنك، كما كل عشاق الحياة البرية، التنزه على الأراضي الرطبة وفي محيط أحواض القصب، موطن ثعالب الماء، وطيور الخرشنة السوداء، والغاق الكبير، والبلشون الأبيض. كما يمكنك التنقل على متن قارب أو زورق، أو عبر مسارات المشي المتعددة. وهكذا لن تسمع أصوات المحركات، ولن تشعر بثقل التلوث، بل ستصغي إلى همسات الطبيعة التي تضفي على المشهد سحراً لن تنساه يوماً. فاحرص على ضبط منبه هاتفك على الساعة 6 صباحاً لتتمكن من التقاط أجمل الصور.
للوصول إلى خيتهورن، احجز رحلتك على متن قطار أو حافلة. وإذا أردت تجنب الازدحام، احرص على زيارة هذه الوجهة في أشهر أبريل، مايو، يونيو وسبتمبر، وتذكّر دائماً أنه من الأفضل أن تقوم بهذا خلال أيام الأسبوع. في الواقع، قد تعتقد أن هذه القرية التي تطلق عليها تسمية البندقية الهولندية تقع على بعد مسافة طويلة عن العاصمة أمستردام، لكنها تبعد عنها نحو 75 كليومتراً فقط. وأياً تكن مدة الرحلة، فهي تستحق العناء فعلاً.
3. جزيرة Tunø، الدانمارك
يعود تاريخ هذه الجزيرة الدانماركية إلى عصور قديمة جداً، وهي تشغل مساحة 3.5 كلم وتشكل خياراً مناسباً للباحثين عن وجهات غير عادية. ويمكن استكشاف Tunø سيراً على الأقدام، أو على متن دراجة هوائية، أو بواسطة السكوتر، أو باستخدام أحد جرارات التاكسي الخاصة بالجزيرة. وهكذا يمكن الذهاب إلى التلال الخضراء التي ترتفع فوق الشواطئ الرملية والصخرية، والسير على خطى المتنزهين وعلماء الطيور. واللافت أنه يمكن تأمل أروع المناظر أثناء الوقوف على برج كنيسة Tunø الذي يشكل موقعاً روحانياً ومنارة تعود بتاريخها إلى القرن الـ14، ويتميز بمحيطه المغطى بأشجار التوت والتفاح.
وهنا، يمكنك الاستمتاع بأشهى النكهات في العديد من المطاعم، فلا تفوت ذلك، واحرص على التوجه بعد ذلك إلى معمل الألبان الذي تحول إلى نزل يستقبل ضيوفه على حافة البحر ويتسم بأجوائه الهادئة والرائعة.
يمكن المسافر الوصول إلى Tunø من خلال حجز رحلة على متن عبارة تنطلق من بلدة Hou الواقعة على ساحل أودر في شبه جزيرة جوتلاند (أو يوتلاند). وتستغرق هذه الرحلة ساعة واحدة يمكن خلالها الاستمتاع بمشاهدة حيوانات الفقمة وغيرها من الكائنات البحرية المدهشة.
4. تروجير، كرواتيا
في العام 1997 تم إدراج وسط الجزء القديم من مدينة تروجينا الكرواتية على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي. ويعود الفضل في هذا إلى أبنيته التراثية التي تم تشييدها في القرون الوسطى وإلى هندسته المعمارية التي تجمع فنون العصر الروماني وحقبة الباروك. وهنا تجد مدينة صغيرة ذات مناظر آسرة وحيث تمتد الطرق المرصوفة بالحجارة وسط الأبنية العتيقة التي تم حفظها بعناية تامة. ولا شك في أن مبنى كاتدرائية سان لوران هو الأكثر روعة وجذباً للأنظار، وهو يعود إلى القرن الـ13 ويتميز بجرس معلق على ارتفاع 45 متراً، بثلاثة صحون، وبباب حجري مزيّن بمنحوتات مدهشة. ولا أنسى البوابة البحرية التي تم إنشاؤها في القرن الـ17 والبوابة الشمالية التي تؤدي مباشرة إلى أجمل مناظر المدينة، من الأزقة المتعرجة المرصوفة بالحجارة إلى السلالم الحجرية التي تصل إلى المساكن.
وبالطبع لا تكتمل زيارة تروجير القديمة من دون الذهاب إلى كوبنينا فرتا أو بوابة الأرض، وهي معلم سياحي مهم جداً يعود بتاريخه إلى القرن الـ15. وقد كانت البوابة الرئيسية للمدينة، علماً أنه تم تجديدها في القرن الـ17 حيث أضيفت إليها لمسات معمارية ترتبط بعصر النهضة.
وفي هذه الوجهة لا تفوت فرصة القيام بنزهة على رصيف الواجهة البحرية حيث ترتفع أشجار النخيل، واختر ما يناسب ذوقك من أطباق ثمار البحر التي تقدم في المطاعم ومن مشروبات المقاهي ذات النكهات التي لا تُنسى. واحرص على أن تضيف إلى برنامج رحلتك حضور أحد المهرجانات الموسيقية التي تنظم في فصل الصيف.
يمكنك الوصول إلى تروجيرعبر مطار مدينة سبليت. كما يمكنك العبور إليها من مطار زادار الذي يبعد نحو 130 كلم عنها. وبعد ذلك يمكنك الاستعانة بالحافلة أو التاكسي أو العبارة. تذكّر هذا ولا تنسَ أن تروجير القديمة تقع على أرض جزيرة صغيرة تبلغ مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً، وأنها تتميز بشوارعها الضيقة التي لا يمكن عبورها بالسيارة. لذا، أنصحك بالتنقل في أنحائها سيراً على الأقدام.
5. جزيرة بوركيرول، فرنسا
يكفي أن تقوم برحلة بحرية لمدة 10 دقائق انطلاقاً من شاطئ كوت دازور لتصل إلى جزيرة بوركيرول، الوجهة الأكثر جذباً لعشاق الطبيعة والتاريخ في جزر إيير. وبعد ذلك يمكنك استكشاف مساحاتها الرملية البكر، صخورها الكلسية، وخضرتها الساحرة أثناء قيامك بنزهة على أحد الطرق أو تنقلك على متن دراجة هوائية في نواحيها. إذاً دوّن على مفكرتك منتزه بورت كروس الوطني الذي يشغل نحو 80% من مساحة هذه الوجهة، ولا تنسَ الشواطئ، ومنها شاطئ نوتردام. وتذكّر أنه يمكن الوصول إلى هذه الأماكن بواسطة العبارة، أو سيراً على الأقدام أو باستخدام الدراجات الكهربائية المتوفرة في مواقع قريبة. فإذا قررت تمضية عطلتك في بوركيرول، سارع إلى القيام بنزهة في الحدائق وبجولات في القلاع والصروح التاريخية، ومنها قلعة سانت أغات التي تعود بتاريخها إلى القرن الـ14. وبالطبع، لا تفوت فرصة الذهاب إلى فيلا كارمينياك، المزرعة الريفية التي تشغل مساحة 2000 متر مربع والتي تحولت إلى متحف وباتت تضم صالات لعرض الأعمال الفنية المعاصرة.
وتذكّر أن القرية الرئيسية، التي أنشئت في القرن الـ19، تضم معظم مطاعم الجزيرة التي يبلغ عددها 22 وكثيراً من المتاجر. كما أنها توفر لزوارها العديد من أماكن الإقامة ومن المنازل العائمة.
كيف أصل إلى جزيرة بوركيرول؟
يمكنك الوصول إلى جزيرة بوركيرول على متن إحدى السفن الصغيرة التي تنطلق من وجهات برية عدة: إيير، تولون، لا لوند، لا ساين، سناري، باندول، سان تروبيه وغيرها. لكن، قبل الانطلاق نحوها احرص على معرفة أفضل وقت لزيارتها. فخلال فصل الصيف تجذب هذه الوجهة ملايين الزوار يومياً. لكن ماذا لو كنت تفضل الهروب من الازدحام؟ تأكد في هذه الحالة أن الربيع وبداية الخريف هما الخيار الأمثل لاستكشاف هذه الجنة التي تعيش عزلتها بعيداً عن عالمنا.
6. بونتيفيدرا، إسبانيا
تقع بونتيفيدرا على بعد ساعة بالسيارة عن سان جاك دو كومبوستيل في إسبانيا. وقد تحولت إلى مدينة من دون سيارات في العام 1999 بفضل برنامج حكومي قضى بإنشاء 1600 موقف مجاني لركن السيارات في محيطها.
لذا، بات بإمكان السياح عبور المدينة القديمة سيراً على الأقدام خلال جولة لا تستغرق أكثر من 25 دقيقة. وهذا ما يتيح لهم تأمل روعة أبنتيها الحجرية القديمة، ومنها بازيليك سانتا ماريا المبنية على الطراز القوطي.
كما يمكنهم استكشاف كنوز متحف بونتيفيدرا حيث تُعرض مجموعة من العملات السلتية التي استخدمت في أوروبا في العصور القديمة، ومن اللوحات الفنية المعاصرة. ولا بد لهم بعد ذلك من الخلود إلى الراحة في لا بلازا دي لا هيريريا الواقعة في وسط المدينة والمحاطة بالأشجار والمطاعم والمقاهي. وبعد تناول الفطور، يمكنهم اجتياز نهر ليريز عبر جسر بورغو الذي تم بناؤه فوق جسر روماني في القرون الوسطى.
من أجل الوصول إلى هذه الوجهة، عليك حجز رحلتك على إحدى الطائرات المتوجهة إلى مطار فيغو الأقرب إليها والذي يقع على بعد 30 كلم عنها. وبعد ذلك يمكنك الاستعانة بسيارة أجرة. رحلة نقية وسعيدة!








