سفر وإقامة

مراجعة فندق: أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، المجر

قد تتغير السياسة والأيديولوجيات والأسماء، لكن العظمة الحقيقية تبقى خالدة. فبعد مرور 20 عاماً على زيارته الأولى، يعود طارق حجازي إلى فندق أنانتارا نيويورك بالاس بودابست الفخم ليجد أسطورة سينمائية ما زالت تسلط الضوء على مشاهد الماضي

بواسطة /
11 يونيو 26
مراجعة فندق: أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، المجر

تُشعرك بودابست عادةً بأنك ممثل ثانوي في فيلم يعود بتاريخه إلى العام 1918، وليس من مكان يجسد هذا الشعور أكثر من فندق أنانتارا نيويورك بالاس بودابست الكائن في شارع إليزابيث.

وقفتُ أمام هذا الصرح العملاق المبني من الحجر الجيري للمرة الأولى قبل نحو 20 عاماً. حينها كنت مراهقاً وقد أذهلني المشهد. وحينها أيضاً كان فندق نيويورك بالاس قد خرج للتو من شرنقته مع انتهاء الحقبة الشيوعية، وخضع لعملية ترميم شامل وفخم بدا كتحدّ للعالم الخارجي النفعي. وبالنسبة إلى عينيّ الشابتين، كان المكان الأكثر روعة وفخامة الذي وطأت قدماي أرضه يوماً.

أما عودتي إليه اليوم – أي بعدما كبرت، وإن لم تكتمل لديّ عناصر الحكمة – فهي أشبه بتحقيق حلم راودني طيلة حياتي، وباختبار يقضي بمعرفة ما إذا كان بإمكان عقلي الراشد أن يجد عيباً ما في ما كان يدهش الطفل. لكنه لم يتمكن من ذلك. فقد أظهر الفندق نفسه بطريقة أكثر روعة مما استطاع خيالي حفظه وتصوّره. 


باختصار:

يشكل فندق أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، الذي يحمل توقيع المهندس المعماري، ألايوس هاوسمان منذ العام 1894، تحفة معمارية سينمائية تذكّر بحقبة لا بيل إيبوك المعمارية، حيث تحوّل بسلاسة ظاهرة من روعة مقهى نيويوركي تاريخي مزيّن بلوحات جدارية مدهشة إلى فخامة الغرف الأنيقة التي يبلغ عددها 185. وبعد أن صمد أمام تقلبات القرن الـ20، بات هذا الصرح المهيب المبني من الحجر الجيري كبسولة زمنية مرممة بدقة، وموطناً للقاء عظمة الإمبراطورية النمساوية المجرية القديمة والفخامة العصرية الراقية. وهكذا يبرز الفندق الآن كملاذ خالد مطل على شارع Erzsebet بوليفارد، ومحافظاً على روح بودابست الثقافية والأدبية العريقة.   

 


الموقع والمشهد

هو قصر فخم بكل ما للكمة من معنى. وقد شيّد المبنى في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر كمقر أوروبي لشركة نيويورك للتأمين، وشكل بناؤه طريقة أكّد من خلالها المهندس المعماري، ألايوس هاوسمان، أن العمل الجاف الذي يقوم على عرض جداول الإحصاءات يستحق الإقامة في قاعة فاخرة أيضاً.

وقد تعامل هاوسمان، عملاق العمارة المجرية الذي صمّم قلعة بودا أيضاً، مع واجهة المبنى كمسرح حضري. واستطاع، بالتعاون مع فلوريس كورب وكالمان غيرغل، أن يبتكر كتلة حجرية انتقائية مصممة على الطراز الإيطالي، لتبدو غنية بالطاقة التعبيرية بشكل مفرط ومتعمد، وأقرب بشكلها إلى واقعية تصاميم الأوبرا منها إلى البساطة الحديثة.

فإذا نظرت إلى هذه الواجهة عن كثب، انطلاقاً من الشارع، ستلاحظ عبقرية النحات كارولي سينيي: تماثيل حيوانات أسطورية تحمل فوانيس، وتماثيل ساتير برونزية تراقب مرور عربات الترام. وستذكرك وجوه هذه المنحوتات المرحة دائماً بأن بوادبست استطاعت، حتى في ذورة العصر الهابسبورغي، الحفاظ على حسّ فكاهة خفي. 

الأجواء

Atrium Anantara New York Palace Budapest

ينبض الفندق بالحياة بطرق تتجنب جمود العديد من الأبنية التراثية، وتسمح للتاريخ بالتنفس وللفخامة بأن تُعاش. فمن التحف المختارة بعناية إلى الموظفين الذين يتوقعون كل حاجة بانتباه لافت، تبدو التجربة ملموسة وراقية بالقدر نفسه، حيث يشعرك كل فورنت يتم إنفاقه عليها بأنه تكريم لإرث المبنى الخالد.

وأثناء تجولك في الممرات عند منتصف الليل، حيث يختفي رواد المقاهي ولا تُسمع سوى همهمة المدينة عبر الجدران الحجرية السميكة، تدرك أن نيويورك بالاس لم يتغيّر. نعم، هو المكان الآسر نفسه الذي أذهلني قبل 20 عاماً. وهو يبقى شاهداً على حقيقة مفادها أنه يمكن تأميم التاريخ، تغيير اسمه، أو ترميمه، فيما تبقى العظمة الحقيقية ثابتة لا تتغير. بالفعل، لا يستضيف الفندق ذكرى الإمبراطورية النمساوية المجرية فقط، بل يسلط الأضواء عليها أيضاً. 

الطعام

ما زال مقهى نيويورك يمثل القلب الجمالي والنابض بالحياة في هذا المكان. وفي مطلع القرن الـ20، كان هذا المقهى بمثابة الرئة الفكرية للمدينة، وفضاءً يتبادل فيه الشعراء، الكتاب، والصحافيون الآراء الحادة تحت أسقف مزينّة برسوم جدارية. ويبدو الجلوس هنا اليوم أشبه بتجربة صعود بصري باروكي حقيقية – صعود بصري عمودي مع أعمدة رخامية منحنية، مروراً بأقواس مذهبة، ووصولاً إلى بريق لا ينتهي تعكسه اللوحات الجدارية والثريات الكريستالية. 

ويشكل المقهى كبسولة زمنية حيّة، إذ نجا من صدمات القرن الـ20، واستطاع الصمود خلال الحرب العالمية الثانية والحقبة الشيوعية، حيث فقد اسمه العالمي  حين أطلقت عليه تسمية "هنغاريا"، ويقال إنه أصبح متجراً للأدوات الرياضية. أما اليوم فيمكن رؤيته وقد استعيد تماماً، فيما يظهر التغيير الجذري الذي طرأ على واقعه. وهنا، يفوح الهواء المحمّل بعبق التاريخ، ويُسمع صوت رنين الملاعق على الخزف مردداً أصداء نقاشات كتاب رحلوا منذ زمن.    

 أما إذا أردت عيش تجربة طعام عصرية وحصرية، فيمكنك التوجه إلى مطعم وايت صالون الكائن في الطابق الأول والمطل على المقهى الرائع في الأسفل، وهو يعدّ أطباقاً محلية تقليدية شهية – مثل البيف ترتار، حساء الغولاش المجري الكلاسيكي، ودجاج البابريكا المجري – بأسلوب عصري، علماً أنه يعتمد طريقة تحضير غير معقدة وأسلوب تقديم أنيق. أما الصباحات فتبدأ في ديب ووتر بريكفيست روم حيث يقدم بوفيه فاخر وقائمة طعام انتقائية، إضافة إلى وجبات غداء غير رسمية، وكوكتيلات مميزة، وجلسات شاي فاخرة بعد الظهر في ردهة الفندق الفخمة ذات السقف الزجاجي.

وفي كل مساء، يُدعى الضيوف للاسترخاء في ذا بويت بار، وهو ملاذ حميم يعود بتاريخه إلى قرن من الزمن، ويقع قرب ردهة الفندق، ويتميز، بعيداً عن الطابع العام المبالغ فيه داخل مكان الإقامة، بتصميمه الداخلي الخشبي الداكن وإضاءته الخافتة، وقائمة مشروباته المبتكرة والمختارة بعناية.

للحجز، اضغط هنا    

          @newyork_cafe_budapest 

الغرف والأجنحة

يكمن سرّ تميّز الإدارة الحالية في التحول من الترف المفرط إلى هدوء أدبي خاص. وفيما يزدان المقهى بزخارف جصية ذهبية وأقمشة مخملية حمرا، تتميز غرف وأجنحة الضيوف الـ185 بلمسة من الفخامة الهادئة.

وكان جناحي أشبه بلوحة فنية تطغى عليها الألوان المحايدة ذات الأساس الكريمي، البيج الترابي، والرمادي الداكن. وإذا كان الشارع في الخارج يذكرنا بتغيير الأعلام المتكرر في المدينة، تشكل الغرفة نقطة ثابتة، ومساحة خارجة على حدود الزمن. وهنا، تم اختيار المواد بعناية فائقة، مع تجنب فخ الاستنساخ التاريخي الزائف. فبدلاً من ذلك، سترى: أثاثاً إيطالياً مع تشطيبات هادئة، ورق جدران حريرياً يضفي على المكان بريقاً خفيفاً، إضافة إلى ثريات مورانو تقليدية تلتقط ضوء الظهيرة من دون أن تبدو صارخة.  

كذلك تحول لمسات من اللون البرقوقي والذهبي العتيق دون أن تبدو هذه المساحة باردةً، مؤكدة جوها الدافئ الذي يذكر بأجواء أوروبا الوسطى. ويضم المكان حمامات واسعة، مغطاة بالرخام ذي الألوان المحايدة والذي يعزز عظمة البناء، مع توفير أحدث وسائل الراحة العلاجية التي تؤمنها أنظمة السباكة في القرن الـ21. ويعد هذا التجديد مثالاً رائعاً على كيفية تحديث فندق أسطوري من دون المساس بطابعه الأصيل. 

السبا والعافية

يقع سبا أنانتارا، الذي تبلغ مساحته 500 متر مربع، أسفل أجواء لا بيل إيبوك المسرحية السائدة في الفندق، حيث يشكل ملاذاً دافئاً تحت الأرض صمم لمحاكاة شبكة كهوف هادئة تضم سلسلة من المرافق المائية.

وتقديراً لمكانة بودابست الأسطورية كعاصمة عالمية للمنتجعات الصحية، يجمع هذا الملاذ تقاليد الحمام المحلية العثمانية والمجرية وفلسفة العافية التايلاندية الخاصة بالعلامة الفندقية. وفي قلب المنتجع يمتد حوض سباحة مدفأ - يبلغ طوله 15 متراً – يتميز بإضاءة خافتة، وقد أضيفت إليه غرفة ساونا فنلندية حديثة تتسع لستة أشخاص، غرفة بخار مخصصة للعلاج العطري، دش مطري، وزاوية مخصصة للأراجيح والكراسي المعلقة. ويضم السبا أيضاً ست غرف علاج تقدم وسائل تجديد عميقة وذات أصول محلية – منها جناح يوفر تجربة  التدليك التايلاندي وآخر مصمم لاستقبال الأزواج ومجهز بحوض جاكوزي خاص.

 

فندق أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، شارع إليزابيث، 9-11، بودابست، المجر

للحجز، اضغط هنا     

    @anantarabudapest