البدايات
لقد بدأ الأمر معي بتجربة رياضة الغوص، والتي تحولت إلى إدمان وشغف حقيقيين في استكشاف عالم خفي في أعماق البحار، فذلك العالم قد أبهرني حقاً وأردت مشاركة مشاهداتي تحت الماء بأفضل طريقة ممكنة مع العائلة والأصدقاء، ولكن ما أدركته بعد تجاربي الأولى في التصوير تحت الماء بأن للموضوع بعداً مختلفاً، فالصورة الحقيقية الناجحة تفرض علي نقل قصص ومشاعر وأحاسيس من أعماق البحار، فإن لم تكن الصورة تحمل هذه المكونات فهي لن تمثل شيئاً لأي شخص كان تشاركها معه.
البحر الأحمر غابة مرجانية
لقد صورت عدة بحار في السعودية والخارج، ولكل بحر شيء ما يميزه، فعلى سبيل المثال، التصوير في الخليج العربي وتحديداً في بحر الهاف مون قد كشف لي عن تواجد "فرس البحر" بحجم الإصبع، وقد التقطت له العديد من الصور، إذ يعتبر من الكائنات البحرية النادرة جداً والتي لم أتوقع تواجدها في بحر المنطقة الشرقية بالسعودية. وعلى الرغم من أنني من سكان المنطقة الشرقية إلا أن البحر الأحمر هو الوجهة الأكثر ثراءاً للتصوير الفوتوغرافي، ولقد تمكنت من الغوص والتصوير فيه من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه وصولاً إلى جزيرة فرسان، منطلقاً في بعض المرات من المياه السعودية ومرات أخرى من المياه المصرية. يمكنني وصف تجربة التصوير في البحر الأحمر كدخول غابة من الشعب المرجانية من ناحية الكثافة وحديقة من الزهور من ناحية تنوع الألوان. المثير للاهتمام بأن التنوع المرجاني متشابه في جميع أنحاء البحر الأحمر، فهو ممتد بنفس الروعة والكثافة على طول هذا البحر الرائع.
بعيداً عن المنطقة العربية، فقد صورت أيضاً في المالديف والتي تتميز بأحجام أسماكها الكبيرة وانتشار القروش وسمك المانتا (شيطان البحر) والسلاحف البحرية العملاقة في كل مكان، كما أخطط في المستقبل القريب للسفر إلى الإكوادور في أمريكا الجنوبية لتصوير حوت الأوركا، وهو من الحيتان الذكية جداً والتي يخيفني الاقتراب منها إلا أنني في نفس الوقت متحمس جداً للذهاب هناك وتصويرها. كما أرغب بزيارة جزيرة سيبدان في ماليزيا وجزيرة راجا أمبات في إندونيسيا بالإضافة إلى جزيرة فيجي ودولة آيسلاندا واليابان والمكسيك
غرائب البحار
عالم البحار مليء بالمفاجآت ولكن من أكثر اللقطات المفاجئة بالنسبة لي كانت بالقرب من منطقة فرسان بانكس، فقد تمكنت من تصوير سرب من قروش الهامر هيد بلغ عددهم 30 أو 40 قرشاً يسبحون معاً. ولأقرّب لكم مدى روعة هذه المفاجأة، فقد كان هناك غواصون في تلك المنطقة ممن غاصوا 3000 و 4000 آلاف مرة ولم يتمكنوا من مشاهدة هذه المجموعة من قروش الهامر هيد تسبح معاً في مكان واحد. وأيضاً خلال إحدى الغوصات الليلية صورت كائناً غريباً جداً يعيش داخل المرجان وكانت المرة الأولى التي أشاهده فيها ويسمى Medusa Worm والذي يبلغ طوله 10 سم فقط.
القروش كائنات خجولة
قد يبدو الأمر مفاجئاً للكثيرين، ولكن خلال تصويري في بحار ومحيطات عدة لأنواع مختلفة من القروش، فقد اكتشفت بأن لكل نوع من أنواع القروش شخصية مختلفة تماماً عن الأنواع الأخرى، فمثلاً قرش الهامر هيد، يعتبر من القروش الخجولة جداً، فعند إصدارك لأي صوت أو حركة بالقرب منه سوف يبتعد عنك فوراً ولن يعود للسباحة بالقرب منك أبداً.
في حين أن قرش الأوشيانك -اللونغ مانوس - قرش فضولي بطريقة لا يمكن تصورها. ففور نزولي إلى الماء يقترب مني هذا القرش بدرجة كبيرة ليكتشف من أنا وماذا أفعل هنا. في حين أن قرش التايغر شارك لا يراني شيئاً ولا يكترث أبداً لوجودي بالقرب منه.
بالطبع فالقروش كائنات قوية جداً، ولكن عند اقتراب أي قرش مني بدرجة كبيرة فإني ألتقط له صورة في البداية، ثم أضع يدي على رأسه وأدفعه دفعة بسيطة فيسبح مبتعداً عني. فالقروش المفترسة موجود في أفلام هوليوود فقط، ولكن لابد من توضيح نقطة مهمة بأن القروش تأكل الأسماك الميتة التي تطفو على سطح البحر لذا عندما يسبح أحد الأشخاص على سطح البحر فإن القروش تعتبره أحد الأسماك الميتة، لذا تقوم بمحاولة أكله، فهي لا تدرك أنه إنسان حي يسبح.
تصوير حطام السفن
للوهلة الأولى سترى شعباً مرجانية فقط ولكن إن دققت النظر ستجد هيكل السفينة الحديدي والذي نمى عليه مع مرور الوقت الشعب المرجانية بمشهد بالغ الروعة.
من عجائب البحر الأحمر، احتواءه على العديد من حطام السفن الغارقة، ومن السفن التي تمكنت من تصويرها سفينة أيونا الغارقة في ساحل مدينة ينبع، ـيقال بأن الحياة تولد من رحم الموت، وهذا ما رأيته وصورته في حطام سفينة أخرى هي سفينة كينغستون فيسل الغارقة في الجهة المصرية من البحر الأحمر.
اختلافات التصوير الفوتوغرافي تحت الماء وفوق الماء
يختلف التصوير الفوتوغرافي في أعماق البحار والمحيطات عن التصوير العادي على اليابسة، فالتصوير في عمق المحيط يشبه تواجدك في الفضاء فالشيء الذي تريد تصويره قد يكون في أي مكان حولك ومن الصعب ضبط المسافة أو اتخاذ وضعية التصوير المناسبة، في حين أن التصوير العادي يعتمد على ثبات تمركزك عن العنصر الذي تريد تصويره. كما يصعب التحكم بالإضاءة أثناء التصوير تحت الماء وخاصةً مع تزايد عمق الغوص، فعلى عمق 10 أمتار وأكثر ستصبح إضاءة الشمس دون فائدة تذكر، وهنا يجب الاعتماد على الإضاءة المحمولة أثناء الغوص، وهذا ما يشكل تحدياً إضافياً للتصوير تحت الماء. أجد بأن التصوير تحت الماء هو مجال مختلف تماماً عن التصوير الفوتوغرافي العادي، فكل واحد من هذين المجالين يحتاج إلى عقلية ومهارات خاصة. خذ على سبيل المثال مفهوم الساعة الذهبية في التصوير الفوتوغرافي العادي Golden Hour، فهي موجودة في التصوير تحت الماء ولكن باسم مختلف هو Double Lights، وهي إضاءة الشمس البسيطة التي تعطي لوناً برتقالياً تحت البحر وهذا ما سيعطي المصور صوراً رائعة أياً كان ما يصوره.








