لم يظهر فنّ يايوي كوساما ليتم نسيانه بسهولة.
فمن الغرف المغطاة بالمرايا، إلى مجسمات اليقطين العملاقة، نقشات البولكا دوت اللامتناهية، والتركيبات الغامرة، ابتكرت الفنانة اليابانية لغة بصرية يمكنها تحويل كل مساحة تقريباً إلى عالم شبه خيالي. والآن، وبعد وفاتها هذا الشهر، عن عمر ناهز الـ97 عاماً، تكتسب هذه الأعمال معنى آخر: فقد تحولت إلى مساحات حيث تبقى براعة كوساما، أفكارها وخيالها الاستثنائي حاضرة ومتاحة للتجربة.
ومن المنحوتات العامة التي تعرض بشكل دائم في لندن واليابان، إلى غرف المرايا اللامتناهية التي يمكن زيارتها في عدد من أكثر المتاحف العالمية أهمية، يتخطى إرث كوساما حدود المعارض التي قدمت أعمالها. بالفعل، ما زال بإمكان عشاق الفن زيارة العديد من أشهر هذه الأعمال حتى اليوم، ما يتيح لهم فرصة التواصل معها من خلال البيئات الفنية التي شكلتها.
التركيبات الدائمة
لندن، المملكة المتحدة: Infinite Accumulation
يمكن مشاهدة أحد أبرز أعمال كوساما الدائمة في مكان غير متوقع بالنسبة إلى عشاق الفن: خارج محطة ليفربول في لندن. فقد أزيح الستار عن تركيب التراكم اللانهائي Infinite Accumulation في العام 2024، حيث يرتفع خارج المدخل الشرقي لخط إليزابيث، علماً أنه أول أعمال كوساما الفنية التي يتم عرضها في مكان عام في المملكة المتحدة، كما أنه أكبر منحوتة عامة تحمل اسمها في العالم. ويبلغ ارتفاع هذه التحفة 10 أمتار فيما يصل عرضها إلى 12 متراً، ويضم هذا العمل الفني المصمم ليناسب موقعه كرات فضية لامعة يتصل بعضها ببعض بواسطة هياكل ذات أشكال انسيابية تشبه الأفاعي. وتعكس هذه الأسطح المصقولة بشكل لافت – الشبيهة بالكروم – صور الركاب وتعرض حالة الطقس ومشاهد المدينة المحيطة، ما يجعل الأماكن والأشخاص جزءًا لا يتجزأ من العمل. وقد صممت كوساما هذه الكرات لتمثل شخصيات فردية، فيما تمثل المنحنيات الداعمة لها العلاقات الاجتماعية التي تربط كلاً من هذه الشخصيات بالأخرى. ولا شك في أن الموقع يعتبر مناسباً جداً للعمل: فبدلاً من أن تتطلب مشاهدته زيارة متحف ما، يلتقي التراكم اللانهائي Infinite Accumulation آلاف الأشخاص يومياً أثناء تنقلهم في أحد أكثر مراكز النقل ازدحاماً في لندن.
art.tfl.co.uk
@artontheunderground
جزيرة ناوشيما، اليابان: اليقطينة
قليل هو عدد الأعمال الفنية التي ترتبط باسم كوساما إلى حدّ كبير كما هي حال "اليقطينة" Pumpkin، التركيب الذي يتميز بلونه الأصفر ونقاطه السوداء والذي يتم عرضه على أرض جزيرة ناوشيما في اليابان. فقد نصبت هذه المنحوتة على رصيف خشبي خارج متحف بينيس هاوس في العام 1994، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من هوية الجزيرة التي تحولت إلى مركز عالمي للفن المعاصر. ويبدو أن الموقع أصبح عنصراً أساسياً من عناصر العمل، إذ يرتفع هذا الإنجاز الفني ذو اللون الأصفر الزاهي عند طرف الرصيف قبالة مياه بحر سيتو الداخلي، فيما يُبرز حجمه الضخم التناقض اللافت مع لون المياه الأزرق والمساحات الخضراء المحيطة. ورغم أن مياه البحر جرفت العمل الأصلي بعد هبوب إعصار لوبيت في العام 2021، تم تركيب النسخة الجديدة من اليقطينة، Pumpkin، في الموقع نفسه في العم 2022. ولم تمثل هذه العودة عملية تجديد لعمل يحظى باهتمام كثير من عشاق الفن فقط، بل إعادة إحياء لأحد المعالم البارزة التي تشكل أحد معالم جزيرة ناوشيما أيضاً.
جزيرة ناوشيما، اليابان: اليقطينة الحمراء
أصبحت منحوتة اليقطينة الحمراء Red Pumpkin الموقعة من الفنانة ياوي كوساما والتي تقع عند محطة العبارات في ميناء مييانورا، على حافة بحر سيتو الداخلي، أحد معالم الفن المعاصر الأكثر أهمية في اليابان. وهنا، يظهر التناقض الرائع بين أشكال البولكا دوت الحمراء والبيضاء والمشهد الساحلي الطبيعي الهادئ في ناوشيما. وهكذا يُدعى الزوار إلى الوقوف داخل المنحوتة وإلى اختبار عالم كوساما السريالي المفعم بالمرح. وبفضل اللون الأحمر الزاهي وأسلوب كوساما المؤثر الذي يبرز بوضوح أمام مياه البحر، تحولت هذه اليقطينة إلى رمز يمثل تحول ناوشيما إلى وجهة عالمية للفن المعاصر.
كاي تاك، هونغ كونغ: اليقطينة الخضراء
تقع هذه المنحوتة في مجمع ذا توينز في كاي تاك. ويبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار، علماً أنها تتميز بلونها الأخضر الزمردي وبنقاط البولكا دوت. وتعتبر اليقطينة الخضراء Green Pumpkin أول تحفة فنية دائمة موقعة كوساما في المدينة. وهي تشكل رمزاً يمكن التعرف عليه بسهولة حيث تعكس أسلوب الفنانة السريالي المرح. ويضفي هذا العمل الفني الضخم المغطى بأشكال البولكا دوت السوداء التي تمثل جزءًا من هوية أعمال الفنانة لمسة ملونة ومبهجة على الواجهة البحرية المتطورة في كاي تاك، حيث يلتقي الفن، البراعة المعمارية والمناظر الطبيعية الساحرة. كذلك يساهم شكل اليقطينة المألوف والموقع المميز في تحول هذا العمل الفني إلى محطة مهمة بالنسبة إلى عشاق الفن المعاصر الذي يخططون لاستكشاف هونغ كونغ.
تجارب المتاحف
طوكيو، اليابان: متحف يايوي كوساما
يُعد متحف يايوي كوساما المكان المخصص لعرض أعمال الفنانة في شينجوكو في طوكيو. وهو يوفر إحدى أكثر الطرق تميزاً لاكتشاف إبداعاتها في المدينة. وقد افتتح المتحف في العام 2017 ليستضيف معارض متغيرة تضم مجموعاتها الواسعة من اللوحات والمنحوتات والأعمال التركيبية والورقية، فضلاً عن التركيبات الغامرة التي شكلت شهرتها العالمية. وتتغير برامج المتحف بانتظام حيث لا يعتمد طريقة العرض الدائم. ويذكر أنه تم تنظيم معرضKUSAMA’s POP حتى 30 أغسطس 2026.
أمستردام، هولندا: متحف ستيديليك أمستردام
سيفتتح متحف ستيديليك أمستردام، في 11 سبتمبر، معرضاً استعادياً شاملاً لأعمال الفنانة يايوي كوساما، حيث سيجمع إبداعات امتدت على أكثر من سبعة عقود وشكلت مسيرتها، من اللوحات والمنحوتات الأولى إلى غرف المرايا اللامتناهية الشهيرة. وسيفتح المعرض أبوابه حتى 17 يناير 2027، علماً أنه سيشكل تتويجاً نهائياً لإرث كوساما الفني. وتم تنظيم هذا الحدث بالتعاون مع مؤسسة بييلير في سويسرا ومتحف لودفيغ في كولونيا ليشكل الوجهة الأوروبية الأخيرة ضمن جولتها الفنية الشاملة. وقد أصبح المعرض، بعد وفاة كوساما، في 14 أغسطس الماضي، بمثابة تكريم لمسيرتها الاستثنائية وتأثيرها الفني الواسع.
لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأميركية – غرفة المرايا اللامتناهية – The Souls of Millions of Light Years Away
يمكن مشاهدة أبرز أعمال كوساما الغامرة للحواس في متحف ذا برود في لوس أنجلوس حيث تشكل غرفة المرايا اللامتناهية - The Souls of Millions of Light Years Away-جزءًا من مجموعة المكان الدائمة. وقد أنجز هذا العمل الفني التركيبي في العام 2013 بالاعتماد على المرايا والظلام ومئات النقاط الضوئية لإيهام الناظر إليه بوجود كون لا نهائي. وهكذا يدخل الزوار إلى غرفة مكسوة بالمرايا ضمن مجموعات قليلة العدد، حيث تحيط بهم أضواء تبدو وكأنها تمتد على مساحة لا متناهية. ورغم قصر مدة التجربة، حيث تقتصر المشاهدة على دقيقة واحدة، إلا أن تأثيرها يبدو كبيراً ومتعمداً. فهي تدفع الزوار إلى قلب أحد استكشافات كوساما المتكررة لمفهوم اللانهاية والعلاقة بين الفرد والكون.
تورنتو، كندا: غرفة المرايا اللامتناهية - Let's Survive Forever
في معرض الفنون في أونتاريو، تستقبل غرفة المرايا اللامتناهية Let's Survive Forever الزوار حتى 25 أكتوبر 2026. ويحيط التركيب الذي تم إنجازه في العام 2017 هؤلاء بكرات مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ. وتتدلى هذه الكرات من السقف أو تصطف على الأرض، فيما تتولى المرايا مهمة مضاعفة عددها لتشكل مساحة فضية لا حدود لها. ويمثل العمل جزءًا من مجموعات المعرض الدائمة، علماً أن تذكرة الدخول العام تشمل زيارته أيضاً. لكن لا يتطلب الدخول إلى الغرفة حجزاً مسبقاً: يتم الدخول حسب وقت الوصول، ويسمح بهذا لمجموعات تضم أربعة أشخاص كحد أقصى، ويمكن هؤلاء البقاء لمدة 60 ثانية كحد أقصى في المرة الواحدة. ويشير المعرض إلى أن تذكرة الدخول إلى المتحف لا تضمن الوصول إلى مكان عرض العمل الفني التركيبي. لذا، ينصح بالتحلي ببعض المرونة أثناء الزيارة.
إرث يتمحور حول التجربة الفردية
لطالما تخطت أعمال يايوي كوساما الانطباع البصري الأول. فغرفها المغطاة بالمرايا تضع الزوار في قلب العمل الفني، كما أن منحوتاتها العاكسة تحول المارة إلى جزء لا يتجزأ من الإنجاز الإبداعي، فيما تضفي أشكال نقشاتها الشهيرة طابع الإلفة على ما هو غير مألوف. إنها سمة جمالية مميزة تجعل أعمالها إبداعات يمكن التعرف عليها فوراً، ما يرسخ إرثاً سيظل صداه يتردد عبر الأجيال.
وفي الوقت الحالي، ما زال هذا الإرث متاحاً بشكل لافت، إذ يمكنك مشاهدة عمل التراكم اللانهائي أو Infinite Accumulation أثناء تنقلك في لندن، أو السير داخل عمل فني يجسد يقطينة عاكسة في سينسيناتي، أو ربما الانغماس في عالم من الكرات الفضية في تورنتو أو استكشاف سبعة عقود من الإبداع في أمستردام ابتداءً من شهر سبتمبر. ورغم أنّ فنّ كوساما أصبح جزءًا من التاريخ، إلا أن هذه الأعمال التركيبية تضمن بقاء التجربة حية ما يتيح للمهتمين عيشها بطريقة مباشرة.








