يشهد الواقع الفني في السعودية تطوراً مستمراً.
ويأتي برنامج الفنان المقيم الذي تمت استضافته في نيوم في طليعة الجهود التي يتم بذلها في هذا السياق. ويمزج هذا البرنامج طرق التعبير التراثية والحديثة. وهو يشكل مبادرة دعت، على مدى ثلاثة أشهر، أربعة فنانين سعوديين موهوبين إلى استكشاف نقاط التقاطع بين الثقافة والبيئة والابتكار، ما يؤكد التزام المملكة بدعم الإبداع في إطار رؤيتها للعام 2030.
وضمت القائمة المختارة الفنانة عهد العمودي التي تستمد إلهامها من التراث السعودي، وتتناول موضوع التوازن بين التقليد والتغيير. ومع إعلان المملكة العام 2025 عاماً للحرف اليدوية، حرصت الفنانة على أن تعكس من خلال أعمالها تطور الممارسات الفنية وبحثها عن طرق مختلفة للحفاظ على وسائل التعبير الثقافية وتحديثها. وتعليقاً على ذلك تقول: "لقد سهلت طريقة تنظيم الإقامة التعاون بين الفنانين بشكل واضح. وقد مكننا ذلك من تعلم الكثير عن الطرق المختلفة التي يلجأ إليها الناس للتطرق إلى مواضيع متشابهة. فقد سُمع كثير من الأصوات في مكان واحد، ما أتاح المجال أمام التعبير عن وجهات النظر المتنوعة. وتمّ تكوين نظرة شاملة إلى كثير من الأمور التي اختبرناها وما زلنا نختبرها في الوقت نفسه. كانت تلك إحدى أفضل التجارب التي عشتها والتي شكلت ممارستي الفنية. أنا سعيدة جداً لأنني أمضيت هذا الوقت في نيوم".
بدوره تمكن أيمن زيداني من أن يسبر أعماق المشهد الفني في نيوم، حيث وصف المنطقة بأنها تجمع الجبال والصحارى والسواحل، لافتاً إلى أن هذا الاجتماع في مكان واحد أمر نادر. وأضاف: "بالنسبة إليّ من المهم جداً ربط كل هذه الأمور بممارستي الفنية التي تتمحور بشكل أساسي حول شبه الجزيرة العربية. ثمة أماكن مثل نيوم في مواقع أخرى، لكن قد يكون من الصعب التعبير عن الاختلاف، في تلك المواقع، بين المناظر والمناخات المتنوعة. ففي نيوم يبدو أن كل ذلك اجتمع في مكان واحد، وهو ما شكل اكتشافاً مهماً. أشعر بأنني كنت أعدّ نفسي لعيش تجربة مماثلة حيث يحدث كل شيء في الموقع نفسه". وماذا عن عمله؟ هو يستكشف إرث شمال السعودية، وخصوصاً ذلك المرتبط بالحضارة النبطية القديمة، حيث يغوص إلى عمق الرموز التاريخية والسرديات البيئية.
وبالنسبة إلى عبد الرحمن بن علي، أصبح التنوع البيولوجي في نيوم حجر الأساس لعمله الإبداعي. وهكذا يعكس إعجابه بالطيور ورمزيتها الميثولوجية ارتباط الطبيعة بالفولكلور والتجربة البشرية، ويكشف كيفية تداخل التقاليد ووجهات النظر المعاصرة في ما يتعلق بالسرديات البيئية. وحين يتحدث عن هذا العمل يقول: "أستمد ممارساتي الفنية بالدرجة الأولى من تجربة الطبيعة كما تظهرها الأساطير، أي من الأفكار التي ترتبط بكيفية عيشنا، نحن البشر، في محيطنا، وكيفية تواصلنا مع تنوعه البيولوجي ومع المناظر الطبيعية من خلال الأساطير. هو أقرب إلى ارتباط روحي بأرضنا، وإلى دراسة تجربتنا مع الطبيعة من خلال الفولكلور والخيال ورواية القصص. وبالنسبة إليّ، أظهرت اهتماماً حقيقياً بالطيور وأنواعها. وكان عدد الطيور التي شاهدتها في نيوم مذهلاً. والأمر المثير للاهتمام هو أن الشعور بالخوف من البشر لم يتطور لدى كثير من طيور المنطقة لأنها كانت تعيش في بقعة معزولة حتى وقت قريب. في الواقع، من السهل الاقتراب منها فيما تطير طيور المدينة بعيداً ما أن تشاهدك. أحببت ذلك حقاً".
كذلك استقبل برنامج الفنان المقيم بلال علاف، وهو راقص وفنان كلمات يسعى إلى رفع مستوى الرقص السعودي المعاصر. وتمتد رؤيته إلى أبعد من الأداء، إذ يحرص على بناء مجتمع رقص محلي المنشأ، على تنمية المواهب المحلية، وعلى إنشاء منصة تعبير فني تجمع الحركة الحديثة والتراث السعودي. وعن تجربته يقول مصمم الرقص ومؤسس إحدى مدارسه: "منذ العام 2021، تتم دعوتي للمشاركة في العديد من المشاريع التي أطلقتها وزارة الثقافة، ما جعلني أدرك الدعم الذي يتلقاه هذا النوع من الفنون وشجعني على المضي قدماً. ولا شك في أن دعوتي إلى نيوم كراقص إلى جانب أشخاص متعددي الاتجاهات الفنية أمر مشجع للغاية. فكلنا فنانون، لكن التعبير عن طريق الرقص أمر مختلف عن أشكال التعبير الأخرى مثل النحت والرسم. على أية حال، وفي النهاية، يحتاج الراقص دائماً إلى التعاون مع فنانين آخرين، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بإنتاج أعمال أو عروض فنية ضخمة، حيث يصبح ضرورياً العمل مع مصممي إضاءة وديكور. في الواقع، ينتمي كل هؤلاء الفنانين إلى خلفيات بصرية".
من خلال الاهتمام بدعم الفنانين متعددي الاتجاهات، يؤكد برنامج الفنان المقيم التزام المملكة بدمج الابتكار والتقليد، وبمساعدة المبدعين على صقل مهاراتهم بالاعتماد على تأثيرات مناظر السعودية الطبيعية وجذورها الثقافية. ومع ازدهار المشهد الثقافي في المملكة، يشير هذا البرنامج والبرامج المماثلة إلى مستقبل حيث يغذي التقليد الابتكار، ما يعيد تشكيل مشهد فني مميز معترف به عالمياً.








