كنوز الجزيرة العربية المفقودة: لا تكتفي مملكة الأنباط القديمة برواية قصص عن التاريخ، بل تعيد إحياء إحدى أكثر الحضارات إثارة للاهتمام في العالم. في الواقع، يسلط وثائقي ناشونال جيوغرافيك هذا، بصوت ماغي غيلينهال، الضوء على الأنباط، الشعب الذي حوّل - كما تشير المقدمة- "الحجر إلى مدن والرمل إلى طرق تجارية مزدهرة".
وبعيد هذا الوثائفي الذي تم إنتاجه بالتعاون مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا إحياء تاريخ الأنباط الذين استطاعوا، ببراعتهم ومهاراتهم الاستراتيجية، تشكيل مفترقات طرق مهمة في شبه الجزيرة العربية. وفي قلب هذا العمل الوثائقي تبرز عالمة الآثار، الدكتورة ليلى نعمة، التي قامت بالتنقيب لعقود في مدينة الحجر، عاصمة الأنباط الجنوبية وأول موقع مدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.
عملت في الحجر لأكثر من 20 عاماً، تقول اللبنانية الفرنسية الخبيرة في علم الآثار ونقوش الشرق الأدنى القديمة، مضيفة: "حين شاركت في فيلم وثائقي للمرة الأولى في العام 2003، كنا قد بدأنا أعمال التنقيب للتو. وكانت النتائج التي حققناها آنذاك متواضعة، إلا أن ما أنجزناه الآن استثنائي". وتشير ليلى إلى أن الوثائقي جاء في الوقت المناسب تماماً لعرض أحدث الاكتشافات: "هو يجسد الحماس الذي يشجعنا على المضي قدماً، ويقدم الأنباط كشخصيات يتوق الجمهور إلى اكتشافها".
إعادة اكتشاف مملكة مفقودة
كان العرب القدماء، الذين امتد نفوذهم من البحر الأحمر إلى دمشق، مهندسين وتجاراً ودبلوماسيين لامعين. ورغم هذا، عاشوا لعقود في ظل إمبراطوريات أكثر شهرة. وعن الأنباط تقول نعمة: "لا يعلم الجمهور العالمي غالباً من هم الأنباط".
يكمن التحدي في جعل قصتهم سهلة المنال وجذابة. وهذا ما يحققه هذا الوثائقي، من خلال السرد الواضح وإعادة التمثيل التي تجعل التاريخ أكثر قرباً من المشاهدين".
في الحجر، حُفرت عبقرية الأنباط مباشرة على الحجر الرملي. فهنا تخرج المدافن الشاهقة المنحوتة في الصخر، من قلب الصحراء بطريقة مثيرة للدهشة. "لم يكن بإمكانهم ارتكاب أي خطأ. ضربة إزميل إضافية كانت تدمر كل شيء. ورغم هذا ابتكروا أساليب معمارية جديدة من خلال مزج تأثيرات بلاد ما بين النهرين، اليونان، ومصر للحصول على ما يمكن القول إنه نبطي".
ويركز شغف مؤلفة كتاب - دليل الحجر: آثار الأنباط في جزيرة العرب" على مهارة هؤلاء كما على إنسانيتهم. وهي تتذكر اكتشافاً لا يُنسى: قلادة صنعت من التمر عثر عليها معلقة حول عنق هيكل عظمي: "إنه تفصيل مؤثر للغاية... يُظهر أن الأنباط كانوا يهتمون بموتاهم ويؤمنون بالخلود بعد هذه الحياة".
دروس من الصحراء
يمتد هذا الارتباط الإنساني إلى علاقة الأنباط بالطبيعة. وهذا ما توضحه نعمة بقولها: "كانوا ملاحين بارعين، استطاعوا عبور مسافات صحراوية شاسعة بالاعتماد على المعالم الطبيعية والنجوم. وكان فهمهم لطرق إدارة المياه رائعاً.
وفي الحجر، حفروا آباراً وصلت إلى طبقات المياه الجوفية العميقة، كما بنوا صهاريج لجمع مياه الأمطار وتصفيتها: "ما زالت تقنياتهم تعلمنا دروساً في الاستدامة حتى اليوم. بل إن المهندسين المعماريين المعاصرين تساءلوا عن كيفية اتباع الأنباط طرقاً تحد من الضغط على موارد المياه في المنطقة".
غالباً ما يوصف موقع الحجر بأنه الشقيق الأصغر للبتراء، إلا أن الخبيرة تصر على أن دوره كان حيوياً: "يقع على الحافة الجنوبية لمملكة الأنباط ويطل على مساحات شاسعة في شبه الجزيرة العربية"، وتضيف: "يدفعنا موقعه إلى السؤال عمن بناه وعن سبب قيامه بذلك. ربما ارتبط هذا بتطور الملاحة البحرية في البحر الأحمر وبرغبة الأنباط في السيطرة على تجارة البخور بعد انتقالها من البر".
التاريخ، الغموض والواقع
يستكشف الفيلم الوثائقي هذه التحولات بلمسة سينمائية، حيث تبدأ الحكاية من تورط كليوباترا في السياسة النبطية، لتروي بعد ذلك القصة الدرامية الخاصة بمرشد نبطي أضلّ الجيش الروماني وسط الصحراء.
والنتيجة: أقل من درس في التاريخ وأكثر من إعادة اكتشاف، فقد أظهر الفيلم أن الأنباط عاشوا في البدء حياة سكان الصحراء الرحل كمفكرين ومبتكرين لا كتجار وبنائين فقط.
وبالنسبة إلى الدكتورة ليلى، لا يشعر المتفرّج بالرضى نتيجة المشاهدة بل بسبب الفهم. وفي هذا الصدد، تقول الخبيرة التي انتخبت كزميلة مراسلة في الأكاديمية البريطانية في العام 2023: "قد يكون علم الآثار والنقوش شاقاً، لكن المكافأة تكمن في الاكتشافات... فقد تكشف قطعة منسوجات بسيطة سرّ العلاقات التجارية التي امتدت بين شبه الجزيرة العربية والهند والصين. وهكذا يضيف كل اكتشاف قطعة إلى اللوحة".
وتتحدث الخبيرة أيضاً عن الجمال الهادئ الذي دفعها للعودة إلى العلا مراراً وتكراراً: "يبدو ضوء الحجر في فترة متأخرة من بعد الظهر خلاباً. تغيب الشمس فيتحول لون الحجر الرملي إلى برتقالي، وتتوهج الصحراء. العودة إلى موقع الحفر على إيقاع الموسيقى، تلك هي اللحظات التي تُشعر المرء بتوقف الزمن".
حياة وسط الاكتشافات
خارج الموقع تستمتع نهمي بخيارات بسيطة. وهي تقول ضاحكة: "علماء الآثار يشعرون بالجوع غالباً ونادراً ما يكونون أثرياء. مكاني المفضل في العلا هو مطعم أرواد السوري الصغير، الكائن في وسط المدينة. وهو يقدم اللحوم المشوية، الحمص، أنواع السلطة ويكون دائماً مزدحماً. وعند تذكره يسيل لعابي".
وهي ننصح زوار الحجر للمرة الأولى بالذهاب إلى أبعد من القصر الفريد: "الجميع يلتقط الصور له، لكن هناك قبر آخر، IGN 100، يضاهيه على مستوى الحجم ويقع قبالته مباشرة. وهو يشكل مثالاً رائعاً عن الهندسة المعمارية النبطية، حيث تبرز رؤوس أبو هول نسائية، أفاريز زخرفية وخطوط أنيقة. بالفعل، يستحق مزيداً من الاهتمام".
حالياً يُعرض الوثائقي، "كنوز الجزيرة العربية المفقودة: مملكة الأنباط" عالمياً عبر ديزني+، ليوفر نافذة على عالم ما زال يخبئ أسراراً يمكن تشاركها. وفي هذا السياق، يقول فيليب جونز، الرئيس التنفيذي للسياحة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا: "لم يبنِ الأنباط إمبراطوريتهم بالسيف، بل بالقنوات المائية والبخور وعلاقات التحالف الاستراتيجية".
يثبت عمل نعمة أن القصة لم تنته بعد. فكل اكتشاف يضيف فصلاً جديداً إلى تاريخ شعب تعلم كيف يحوّل الصحراء إلى أعظم إبداعاته".








