لا يتطلب مشهد الطهو الحديث المهارات الاستثنائية فقط، بل سرداً شيقاً أيضاً.
في الواقع يمثل عدد قليل من الطهاة هذا المزيج الذي يجمع البراعة الفنية والفلسفة كما هي حال الشيف إيونيل كاتاو، القوة الكامنة خلف مطعم قربوا الشهير. ويعرف هذا المطعم بنهجه المبتكر في مجال المطبخ الإماراتي، ما جعله يتحول بسرعة إلى ركن أساسي في هذا القطاع، حيث تمكن من تحويل المكونات البسيطة إلى طرق تعبير عميقة المعاني.
وقد سررنا بلقاء الشيف كاتاو لبضع دقائق بعيداً عن صخب الحياة اليومية وبمناقشة المبادئ الراسخة التي تشكل جزءًا أساسياً من مطبخه، وبالتحدث عن رحلته الشخصية عبر أرقى قاعات الطعام في العالم، وعن كيفية تحويله رؤيته الفريدة لفن الطهو إلى تجربة مميزة لا تُنسى تُعرف باسم "قربوا".
التجربة والبداية
بصفتك رومانياً، كيف أثّر بلدك الأم وتجاربك على نظرتك إلى الطعام، وكيف ينعكس هذا على عملك في الإمارات العربية المتحدة اليوم؟
نشأت في كونستانتا، أكبر مدينة ساحلية في رومانيا. وكما هي حال دبي، تتيح المدينة لسكانها الوصول إلى المنتجات الطازجة والمأكولات البحرية والأسواق المحلية المزدحمة. في الواقع يتشارك المكانان كرم الضيافة والأجواء الاجتماعية. واللافت أن كونستانتا تضم جالية مسلمة كبيرة العدد. لذا، حين قررت الانتقال إلى الإمارات، شعرت بالاتصال الطبيعي بأجوائها. فمعظم الأطباق التي وجدتها هنا، ومنها الشاورما، اللحوم المشوية المتنوعة، والكباب وغيرها تشكل جزءًا من طفولتي.
تشمل مسيرتك المهنية العمل في مطابخ بريطانية مرموقة. فما الدرس الأهم الذي تعلمته أثناء تلقيك التدريب في مطاعم حائزة على نجمة ميشلان مثل رابي هانت وبينسونز؟
الدرس الأكثر أهمية الذي لا أنساه بسيط – فريق العمل والنكهة أولاً. فحين يهتم فريق العمل بما يقوم به ويتم اختيار المكونات بعناية، تكون النتيجة تجربة طعام لا تُنسى.
يتطلب العمل في مطاعم راقية ومزدحمة تركيزاً كبيراً. فهل يمكنك أن تصف "الاهتمام الدقيق بالتفاصيل" الذي يشكل جزءًا مميزاً من منهجيتك؟
حالفني الحظ حين عملت في بعض أرقى المطابخ في العالم. فقد أحضرت إلى هنا التقنيات، الأنظمة، والقواعد التي تعلمتها في تلك الأماكن، وقمت بتطبيقها معتمداً على المكونات والتقاليد المحلية. إلا أن هذا التركيز لا يدفعني، بل يدفع الفريق أيضاً، إلى تجاوز الحدود باستمرار كما إلى تقديم تجارب لا تُنسى للضيوف.
خارج المملكة المتحدة، هل أثرت تجارب عالمية أخرى أو تقاليد متبعة في مجال الطهو بشكل عميق على مزيج التقنيات والنكهات الذي تعتمده اليوم؟
نعم، بالتأكيد! تركت نيوزيلندا أثراً عميقاً في مطبخي. فقد أذهلني ارتباطها بالنار والأرض والتراث. وما زلت أتذكر كيف قمت بطهو سمك السلمون للمرة الأولى تحت الأرض – وهي تقنية تُعتمد أيضاً لطهو اللحوم. فقد أثر هذا إلى حدّ بعيد على نظرتي إلى المنتج والتقاليد.
حدثنا عن قربوا
هل تسعى إلى تطبيق فلسفة طهو مميزة أثناء تحضير أطباقك؟ وبصفتك رئيس الطهاة في قربوا، كيف بدأت القيام بمهمة إعداد قائمة طعام خاصة تحتفي بأرض الإمارات وشعبها وملايين المقيمين فيها؟
ترتبط فلسفتي بشكل عميق بالذاكرة، الاستدامة، والنكهة. وحين انضممت إلى فريق عمل قربوا، حرصت على الانغماس في ثقافة الإمارات الغنية وتاريخها الطهوي العريق. لذا، زرت أسواقاً متنوعة، التقيت كثيراً من المزودين والمزارعين، بل قمت بجولة في مكتبات مختلفة. وقد شكلت هذه التجارب، إضافة إلى أسفاري وفريق العمل المتفاني، قائمة تعبّر عن الأرض والمجتمع.
يركز قربوا على طرق الطهو الإماراتية التقليدية، وخصوصاً طريقة الطهو في الحفر. فما التحدي الأكبر الذي واجهته والنتيجة الأفضل التي حصلت عليها أثناء سعيك إلى تحقيق الانسجام بين تلك الطرق والأجواء العصرية الفاخرة.
التحدي الأكبر الذي واجهته هو التحكم بدرجة الحرارة – فمن السهل الإفراط في طهو المكونات وتجفيفها. لكن في حال تمّ فعل هذا بالطريقة الصحيحة، تصبح لحظة تقديم الطلب استثنائية. فرؤية وجوه الضيوف أثناء إخراج الطبق من الحفرة هي إحدى أكثر التجارب روعة.
هل يمكنك أن تحدثنا عن طبق يقدم ضمن قائمة قربوا ويجسد سعيك إلى جمع أساليب الطهو التقليدية وطرق التقديم الحديثة والاستدامة؟
يشكل طبق الكرنب (الملفوف) المشوي مثالاً رائعاً على ذلك. وفي هذه الحالة يُنقع الكرنب بالشبت ثم يسلق ويشوى قبل أن يحشى بجبنة فيتا للحصول على قوام كريمي. في الواقع، يمكن استخدام زينة الطبق لتحضير صلصة اللبنة والكرنب والشبت. يتعلق الأمر باستخدام كل جزء من المكونات بطريقة إبداعية وباحترام بالغ.
هل من طبق (أو طبقين) مميزين ترى أنهما يمثلان الرسالة الأساسية وفلسفة الطهو الخاصة بمطعم قربوا؟
يمثل طبق مجبوس الدجاج الذي نحضره في مطعمنا خياراً رائعاً يعبر عن الرسالة الأساسية وفلسفة الطهو الخاصة بقربوا. وهو يعكس هذه الفلسفة من خلال مكوناته المحلية المختارة بعناية، مزيج توابله، وتقنياته، كما أنه يجسد جوهر الثقافة الإماراتية التي تقوم على المشاركة ودعوة الناس إلى الاجتماع.
أثناء إعدادك قائمة قربوا، ما هو عنصر المطبخ الإماراتي الذي اكتشفته، وما مزيج النكهات الذي استمتعت به إلى حد كبير؟
قبل افتتاح قربوا، تلقيت تدريباً إلى جانب طهاة إماراتيين واستكشفت أسواقاً ومزارع متنوعة. وهناك، اكتشفت مكونات مثل الجميد واللومي. وما زلت أدرسها وأجري التجارب عليها لإبراز سماتها الفريدة بشكل أفضل.
كيف تستخدم قائمة قربوا كوسيلة للتواصل مع المجتمع المحلي ولتلبية مختلف الأذواق في الإمارات؟
تروي كل عناصر قربوا، من الأطباق إلى المكونات التي نستخدمها والقائمة، قصة عن الإمارات العربية المتحدة. ونحن نهدف إلى إظهار غنى هذا البلد مع الحرص على ضمان وجود ما يرضي الجميع في هذا المجتمع المتنوع.
ما مدى أهمية أن يشارك الطاهي اليوم بفعالية في حوارات حول الاستدامة وأخلاقيات الطعام؟
لم يعد الأمر اختيارياً. تتطلب هذه القضايا اهتمامنا الكامل، انفتاحنا على التعلم، واستعدادنا للعمل. وكطهاة، علينا أن نساهم في بناء مجتمع يهتم بالتغيير، ويتكيف معه ويقوده.
نصائح وتوصيات مهنية
ما النصيحة الأبرز التي يمكنك تقديمها للطهاة الشباب الذين بدأوا مسيرتهم المهنية للتو بشأن النجاح في بيئة طهو تشهد منافسة شديدة؟
ابحثوا عن المطبخ حيث يمكنكم بناء أسس متينة. تعلموا كل شيء بدقة، تذوقوا باستمرار، ولا تتوقفوا أبداً عن طرح الأسئلة.
ما المهارات الأساسية غير المرتبطة بالطهو، مثل الاهتمام بالأمور المالية، إدارة الفريق، أو الإبداع، التي لا يهتم بها الطهاة غالباً والتي تعتبر عوامل أساسية تساعد على تحقيق النجاح؟
تتطلب إدارة مطعم ما يتخطى حدود الطهو. المال، التسويق، العلاقات العامة، السرد القصصي وحتى الصيانة والهندسة المعمارية، لكلّ شيء دوره. لكن الناس هم العنصر الأكثر أهمية: فمن المهم توجيه الفريق ومنح الضيوف تجارب لا تُنسى.
هل يمكنك أن تشاركنا ثلاث نصائح أو إرشادات تعود بالفائدة على طهاة المنازل؟
تذوقوا كل شيء – فهذا يحسن ذوقكم. ابدؤوا باستخدام أفضل المكونات التي يمكنكم الحصول عليها، وثقوا بأنفسكم – اعتمدوا على ذاكرتكم، استرجعوا النكهات التي عرفتموها خلال نشأتكم، ولا تخافوا من التجربة.
الطعام، الذكريات والسفر
يرتبط الطعام والنكهات غالباً بالذاكرة، فما الطبق الذي أحببته في زمن طفولتك وما زال مفضلاً لديك؟
سلطة الباذنجان. لا يقدرها الكثيرون غالباً، لكنها تحتوي على كل ما أحب: التدخين، الحموضة، الغنى والقوام. هو طبق مهم جداً بالنسبة إليّ.
وما الطبق الذي يعيد إلى ذهنك ذكريات جميلة ترتبط بمرحلة تدريبك أو شبابك؟
إلى جانب الوقت الذي أمضيته في المطبخ برفقة والدي، أتذكر بوضوح كيف تعلمت تحضير أرنب من الأنف إلى الذيل. لقد شكل هذا الدرس أساساً لأسلوبي وفلسفتي.
ما المدينة أو البلد الذي تسافر إليه لأسباب تتعلق بالطعام فقط؟ وما الذي قد تطلبه؟
بصراحة، أشعر بأنني أعيش في هذا المكان. ففي دبي تجد كل شيء، من المنتجات غير العادية، إلى المطاعم المميزة جداً، فتجارب الطعام التي لا تُنسى.
هل سافرت يوماً إلى بلد ما يقدم تقاليد أو نكهات طهو رائعة بشكل غير متوقع؟
لا بد لي من ذكر نيوزيلندا. فأثناء قضائي الوقت في قرى ماوري، تأثرت بكرم الضيافة، بالتقاليد، وبالاحترام العميق للطهو على النار.
أثناء السفر، هل تبحث عن مطاعم حائزة على نجمة ميشلان، أم أنك تفضل الخيارات الأصيلة وتجربة طعام الشارع المحلي؟
أفضل تحقيق التوازن بين الخيارين. فقد تناولت معظم وجباتي التي لا تُنسى في مطاعم محلية متواضعة حيث يلتقي أبناء المجتمع الداخلي. لكنني أبحث دائماً عن المطاعم عالمية المستوى لأراقب، أتعلم، وأطوّر قدراتي كشيف.
ما المطبخ العالمي أو أسلوب الطهو الذي ترغب حالياً في استكشافه أو في إضافته إلى تجربتك الخاصة؟
المطبخ الإماراتي. فأنا أصبح أكثر انجذاباً إليه كل يوم، إذ أدرسه، أختبره، وأكتشف طرقاً جديدة لإظهار عمقه للآخرين.
في حال كان عليك تناول وجبة أخيرة، من إعداد أي شخص في هذا العالم، ماذا ستختار ومَن هو الطاهي؟
حساء اللوفاج الذي تعدّه والدتي. فهو يحضّر من الخبز المصنوع منزلياً والمكونات التقليدية، ويبقى الوجبة المريحة التي لن أنساها يوماً.
للحجز، اضغط هنا
إنستغرام قربوا: gerbou@
إنستغرام إيونيل كاتاو: ionel_catau@








