تُعرف جدة في أوساط كثير من الزوار بمجتمعها المضياف، بهندستها المعمارية المصممة بإتقان، وبحيوتها الهادئة. وهي مدينة ساحلية تجمع التقاليد العريقة والطابع العالمي. لكن عدداً قليلاً من عشاق السفر يدركون أن سحرها الحقيقي يكمن في سواحلها. ففي مياه البحر الأحمر التي تبدو عالماً مختلفاً عن عالمنا، يزدهر النظام البيئي وتتنوع المعالم، من الشعاب المرجانية الساحرة، إلى السلاحف البحرية الفضولية وأسماك القرش. وهنا، تتحرك محترفة الغوص الحر، سلمى شاكر، براحة تامة، كأنها في منزلها، حيث ترشدنا إلى مواقع المدينة والبحر.
لوحة فنية حيّة
"البحر الأحمر ساحر، وهو أحد أكثر المسطحات المائية تنوعاً على المستوى البيولوجي في العالم. ورغم هذا يشعرك ماؤه بدفء خاص. فهنا، تنبض الشعاب المرجانية بالحياة، بالحركة والألوان. يبدو الأمر أشبه بالغوص في لوحة فنية حية"، تقول سلمى التي تحمل الرقم القياسي الوطني في الغوص الحر والتي تعلمت الغوص في سن مبكرة، ونشأت في أسرة من عشاق المحيط والغواصين. وتضيف: "المياه دافئة، والرؤية غالباً ما تكون مذهلة، وثمة هدوء لم أجده في أي مكان آخر. إنه موطني، لكنه لا يتوقف عن إبهاري".
ولا يعني الغوص الحر بالنسبة إلى سلمى السباحة، أو حبس الأنفاس فقط، وهو ما توضحه بقولها: "يرتبط هذا بالتواصل. فأنا استكشف عالم ما تحت الماء بواسطة جسمي وأنفاسي فقط. إنه عمل تأملي، فن، وشكل من أشكال الانضباط. وأنا أتدرب لوقت طويل، أحاول فهم المحيط، وتشارك جماله وهشاشته مع الآخرين".
تظهر سلمى في فيلم وثائقي عنوانه "تحت السطح كفاح من أجل الشعاب المرجانية". وهو يستكشف طرق حماية الشعاب المرجانية والجهود الهادفة إلى الحفاظ عليها في البحر الأحمر الذي يشكل موطناً لرابع أكبر حاجز مرجاني في العالم (أكثر من 28000 متر مربع)، ويتحدث عن مدى قدرة هذه الجهود على تشكيل نموذج يحتذى لحماية الشعاب المرجانية في مختلف أنحاء الأرض.
وحين تشرح سلمى معنى المحيط بالنسبة إليها، تقول: "هو كل شيء. هو سلامي، معلمي، التحدي الذي أخوضه، مرآتي. فالمحيط يكشف مَن تكون في لحظة ما. فإذا كنت تشعر بالقلق، هو يظهر ذلك، وإذا كنت مستعداً تماماً (منضبطاً) فهو يرحب بك. لقد علمني الصبر، الهدوء، والاحترام. وهو المكان حيث أستعيد التواصل مع ذاتي".
في مواجهة الخوف
قد يكون الغوص الحر رياضة رائعة، لكنه لا يخلو من المخاطر. فهو يدفع الجسم إلى أقصى حدوده. بالفعل يرتبط هذا النشاط غالباً بالجسم، من الضغط الذي يتعرض له في الأعماق السحيقة، إلى حبس النفس لفترات طويلة. لكنّ سلمى تشير إلى أن التحدي الكبير ذهني بالدرجة الأولى.
وهي تعلق على ذلك قائلة: "أعتقد أن أبرز الصعوبات التي أواجهها في مجال الغوص الحر ذهنية. فأنا أحاول دفع ذهني إلى الغوص وإلى الابتعاد عن الخوف. لذا، تراني أركز ذهنياً على التنفس، الحضور والاحترام. لا يمكنك مواجهة المحيط أبداً، بل عليك أن تصغي إليه". وتتابع: "في بعض الأوقات، وبعد انتهائي من رحلات غوص حافلة بالتحديات، تساءلت عما إذا كان بإمكاني مواصلة القيام بهذا الأمر. بالفعل، لا أنسى تلك اللحظات التي تلت فشلي في بلوغ هدف سعيت إلى تحقيقه من خلال التدرّب لأشهر عدة. شعرت حينها بالانهيار. لكنني رأيت أن الاستسلام لن يساهم في تحسين حالي، وأن التقدّم إلى الأمام هو خياري الأمثل. وما يشجعني على المتابعة هو ذلك الشعور الرائع الذي ينتابني بعد نجاحي في الغوص، أي تلك اللحظات حيث يختفي الوقت وحيث تبقى وحيداً في الأعماق. فهذا الشعور يستحق كل هذا العناء".
حققت الغواصة الشابة إنجازات مذهلة، وكانت من أبرزها تلك التحولات التي حدثت في عالمها الداخلي: "أن أصبح قادرة على التغلب على الخوف والحواجز النفسية، وعلى الغوص إلى الأعماق والقيام بما بدا في البدء مستحيلاً. يساعد هذا على تدريب جسمك، لكنّه يدرّب ذهنك أيضاً ويمكّنه من الحفاظ على هدوئه فيما يحثك كلّ شيء آخر على الصعود".
جذور جدة
"نشأت في جدة، على حافة البحر الأحمر، وأتذكر أيام الصيف التي كنت أمضيها على الشاطئ، وحيث كنت أشعر بالانجذاب إلى الماء من دون أن أعرف السبب"، تقول سلمى وتضيف: "كانت أسرتي تشجع فضول المعرفة ومرونة التفكير، وجدة هي المكان الذي يعيش بين التقليد والحداثة. وقد علمتني كيف أتنقل بين العوالم، أن أتمسك بجذوري وأن أتواصل مع العالم في آن. وجدة مدينة عذراء وجميلة. فهنا تجد مياه البحر الأحمر الفيروزية التي تتدفق على الشاطئ فوق الشعاب المرجانية، وأزقة البلد العتيقة حيث ترتفع المنازل المبنية من الحجر المرجاني والتي تتميز بنوافذها المغطاة بتصاميم شبكية. وعند انعطافك إلى زاوية أخرى، ترى الأبنية الحديثة التي تمتد نحو السماء. وهنا، يمكنك تنشق رائحة الملح مع الهواء، فيما يعبر الناس عن الود والفخر وعن حبهم للضيف. هي مدينة ذات إيقاع فريد، قدم في التاريخ وأخرى في المستقبل".
الحياة فوق الماء
تستمتع سلمى بقضاء الوقت على شاطئ البحر حين تتوقف عن الغوص في مياهه. وهكذا تسترخي أثناء التمدد بعد غروب الشمس أو المشي على طول الكورنيش: "أنا أرسم، أركض، وأمضي الوقت برفقة العائلة والأصدقاء. تتمتع جدة بطاقة هادئة تساعدك على الاسترخاء والاستمتاع باللحظة الراهنة"، تقول قبل أن تقدم نصائحها لزوار هذه الوجهة الساحلية السعودية وأن ترشدهم إلى أفضل المناطق التي يمكنهم زيارتها: "ابدأ يومك بالمشي عند شروق الشمس على طول واجهة جدة البحرية. فالأجواء هادئة والأضواء ساحرة. وفيما يتعلق بالطعام، احرص على تناوله في البصلي، أحد المواقع القديمة التي تقدم المأكولات البحرية في البلد. فهو مكان لا مثيل له. وماذا عن القهوة؟ ابحث عن برو92 أو عن كاب آند كوتش (أو كوب وكنبة)، فهما من أماكن الضيافة المحلية المفضلة لدى كثير من الرواد.
ولا تفوت زيارة البلد ليلاً، فهنا ستشعر بأنّك تقوم برحلة عبر الزمن. أما إذا كنت تخطط لمشاهدة منظر غروب الشمس، فتوجه إلى منطقة المسجد العائم أو استأجر قارب كاياك وراقب اختفاء الأشعة في البحر أثناء جلوسك على صفحة المياه ولن تنسى هذا أبداً". وهل من نصيحة تتعلق بالغوص؟ نعم، وفي هذا الصدد تقول سلمى: "قم بالغوص في محيط فرسان أو جزيرة أبو طير لأن هذين الموقعين يعتبران من الجواهر الخفية".
قادت سلمى شاكر سيارة Lexus UX 300h على ساحل البحر الأحمر في جدة، مقدمة من عبد اللطيف جميل للسيارات (لكزس)
تصوير: أسامه جبرتي
المواقع: منتجع وسبا نارسيس أبحر وأماكن مختلفة على طول ساحل جدة








