سفر وإقامة

مدريد: فنّ العيش

يعني السفر إلى مدريد عيش الحياة بكلّ تفاصيلها، واستكشاف وجهةٍ تروي فيها كلّ زاوية وحجر قصصاً عن تاريخ عريق، ويتحول فنّ الطهو إلى حوارٍ ثقافي، وتتدفق الحياة بسلاسةٍ وعفوية. فمن قلبها النابض بالحياة إلى بلداتها وقراها العريقة، تدعو عاصمة إسبانيا المسافرين إلى الاسترخاء التام والاستمتاع، حتى النهاية، بجمالها

بواسطة /
25 فبراير 26
مدريد: فنّ العيش
قصر البلور في حديقة ريتيرو

 هل تعلم ما الذي تتميز به مدريد مقارنة مع العواصم الأوروبية الأخرى؟ هي تلك الأناقة العفوية غير المصطنعة، الأناقة التي يمكن عيشها ببساطة – وفقاً لإيقاع ينساب بسلاسة، من قلب الحاضرة التاريخي إلى مناظرها الطبيعية المشمسة القريبة. وقد تشعر بهذا بفضل حميمية شوارعها ودفء خدماتها، وثبات حضارة أتقنت فن الضيافة. ومن Paseo del Prado إلى Calle Mayor، تفسح الشوارع الواسعة المجال أمام ساحات صغيرة حيث تسير الحياة بوتيرة هادئة.

هنا، تقع المتاحف عالمية المستوى على مقربة من المقاهي المحلية، وتجاور القصور ورش الحرفيين. إذاً يبدو كل شيء مترابطاً ومرحّباً. وهنا، لا تشكل الفخامة استعراضاً، بل تمثل التواصل السلس بين الثقافة العالمية ودفء الريف البسيط.  يبدو كل شيء ترحيبياً، ثابتاً، وأصيلاً للغاية. إنه مكان لا يستضيفك فقط، بل يدعوك للانتماء أيضاً.

الفخامة أسلوب حياة

Royal Palace in Madrid, viewed from the Sabatini Gardens
Royal Palace in Madrid, viewed from the Sabatini Gardens
Madrid Royal Palace

تُعد فنادق مدريد التراثية تحفاً تصميمية تقدم خدمة مريحة بعيداً عن الشكليات، وتوفر أجواء حميمة، وتشكل مثالاً كلاسيكياً على جانب الحياة الأنيق بدلاً من ذلك الاستعراضي.

وفي فندق فورسيزونز مدريد، الإقامة مريحة للغاية. فمنذ لحظة وصولك، تشعر بأن المدينة تتلاشى. وفي موقعه وسط عدد من الأبنية المميزة التي أعيد ترميمها في Centro Canalejas  مدريد، يوفر هذا المكان الخصوصية والعزلة، وسهولة الوصول المباشر إلى Galería Canalejas، وجهة التسوق والطعام الفاخرة. وهكذا تتنقل أيامك بسلاسة بين أكبر منتجع صحي في المدينة، واللحظات الهادئة التي تمضيها وسط مجموعة واسعة من إبداعات الفن الإسباني المعاصر، قبل أن تصعد إلى سطح الفندق لعيش تجربة عشاء مميزة يعدّها الشيف الشهير داني غارسيا. نعم، يمكنك اختبار كل هذه الأجواء من دون أن تغادر الفندق الذي يتميز بتصاميمه الداخلية التاريخية.     

ولتتمكن من الاستمتاع بتجربة إقامة مميزة، يوفر لك فندق Hotel Único  ملاذاً للفخامة الراقية. وهو يستقبل ضيوفه في قصر يعود بتاريخه إلى القرن الـ19 بعدما تمت إعادة ترميمه، ويقع على طول شارع Golden Mile المرموق في حي Salamanca، حيث يشعرك بأنه أقرب إلى قصر خاص منه إلى فندق. فتجول في أرجائه على مهل، واستمتع بتأمل الواجهة المهيبة، والغرف ذات الأسقف المرتفعة والنوافذ الواسعة، والأرضيات الرخامية المغطاة بقطع الفسيفساء في الردهة، والدرج المغلف بالمرايا. واسترخٍِ في الحديقة الداخلية الهادئة، أو ابحث عن السكينة في المكتبة ذات الجدران الخشبية، أو دلل نفسك في جناح العافية Wellness Suite. ولا تنسَ جوهرة تاج الفندق، أي مطعم Ramón Freixa Madrid الحائز على نجمتيّ ميشلان، وحيث تقدم أطباق متوسطية مبتكرة تشكل هوية إحدى أشهر وجهات الطعام في المدينة. 

ويوفر فندقNH Collection Madrid Palacio de Tepa  أجواء راقية وهادئة في قلب حيّ Barrio de Las Letras. وقد كان المكان قصراً تم بناؤه في القرن الـ19 حيث صممه المهندس المعماري الذي اشتهر في القرن الـ18، خوان دي فيلانويفا. وتتميز غرفه بأسقفها المرتفعة والمغطاة بعوارض خشبية. وأسفل قدميك تمتد أرضية الاستقبال الزجاجية التي تبرز نظام القنوات المائية العائد بتاريخه إلى القرن السادس عشر، فيما يقع مركز الحركة الأدبية التاريخي في مدريد في جوار غرفتك. 

   

El Corte Inglés
El Corte Inglés
El Corte Inglés

العلامة الفارقة في أماكن الإقامة هذه ليس البذخ بل سهولة الوصول إليها. فمن كل منها يمكنك الانطلاق لاستكشاف مدريد سيراً على الأقدام. فسواء أردت الذهاب في نزهة إلى Retiro Park، أو تأمل عظمة القصر الملكي النيوكلاسيكية، أو القيام بزيارة عفوية للمعارض الفنية في مثلث الفنون الذهبي Golden Triangle of Art، أو السير مساءً على طول شارع Gran Vía، ستشعرك المدينة بأنها أليفة وسهلة المنال.

ويظهر ميل مدريد إلى الفخامة البسيطة التي تتميز بلمسة إنسانية من خلال مراكز التسوق أيضاً. ففي Galería Canalejas يشكل التسوق تجربة معمارية مختارة بعناية. ويقع هذا المركز الراقي داخل Palacio de la Equitativa حيث يجمع خيارات دور الموضة العالمية الفاخرة ومفاهيم الطعام المتنوعة. إنه مكان مناسب للاستكشاف المتأني، حيث تتعايش المصنوعات اليدوية، الأطباق المختلفة، والتاريخ بسلاسة لافتة. وبالطبع، تحول الجلسات في مقهى Galería Canalejas Café  والمطاعم التي تقدم الأطباق الإسبانية مثل Garelos (الحائزة على جائزة بيب غورماند من دليل ميشلان إسبانيا والبرتغال في العام 2022) التجربة إلى فرصة للتسكّع أكثر منها مساحة للتصفح.

 وخلافاً لهذا المشهد، يبرز مركز El Corte Inglés التجاري كمؤسسة ثقافية أكثر منه وجهة للتسوق – فهو يعكس الحياة اليومية، النكهات والتقاليد الإسبانية. ويتميز هذا المركز بحجمه الهائل الذي لا مثيل له، حيث يعرض خيارات أوسع تشكيلة من العلامات التجارية الإسبانية والعالمية الفاخرة ضمن الفئات كافة وتحت سقف واحد. ويضيف إلى ذلك خدمات مميزة مثل التسوق الشخصي، وخدمة الكونسيرج المخصصة لكبار الشخصيات، والتسوق من دون حمل الأكياس، واسترداد الضرائب. وإلى جانب التسوق، يُعدEl Corte Inglés  وجهة طعام فريدة، فهو يضم مطعم RavioXO الحائز على نجمة ميشلان، مطعم السطح المطل على أروع المناظر، Las Nubes de Castellana، والعديد من قاعات الطعام الفاخرة.

  أما في Barrio de Salamanca، فيمكن استكشاف المتاجر على مهل، أثناء السير وسط الشوارع الواسعة والجلوس على تراسات المقاهي التي تدعو الزائر إلى التوقف والخلود إلى الراحة – ما يعزز الاعتقاد أن الحياة في مدريد، حتى في الأماكن التجارية، تسير بوتيرة هادئة.

الطعام طريقة تعبير ثقافي  

DiverXO
DiverXO
DiverXO

يعد كثير من المدن الضيوف بتجربة طعام لا تُنسى. أما في مدريد، فيشكل الطعام لغة تعبر عن الحرفية، الإيقاع والاستمرارية. ولفهم هذه الوجهة، لا بدّ من الإصغاء إلى مائدتها، حيث بُنيت الثقة بفنّ الطهو على احتضانه للتناقضات.

وفي مطعم DiverXO، ابتكر الشيف دابيز مونيوز إحدى أكثر تجارب الطعام تعبيراً عن الإبداع في أوروبا. ويجسد هذا المطعم المدريدي الحائز على ثلاث نجوم ميشلان روح المدينة الإبداعية المعاصرة: تجربة جريئة، مبتكرة، ولا تعرف المساومة لكن ترتبط إلى حد بعيد بتقنيات استثنائية. وهنا، تشكل قائمة التذوق رحلة حافلة بالمفاجآت حيث تتداخل النكهات وتكمل أجواء مونيوز الحالمة. 

لكن ربما تكمن أبرز أوجه الرفاهية في مدريد في استمراية مشهدها. فالطعام يقدم على شكل فقرات، لا مقتطفات سريعة، ما ينسجم وإيقاع الغداء الهادئ، والعشاء المتأخر، وجلسة ما بعد العشاء التي يلتزم بها الجميع. وهذا ما يمكن ملاحظته في مطعم Botín، أقدم مطاعم العالم، وحيث تدعو طقوس الشواء على خشب البلوط الرواد للقيام برحلة إلى العام 1725، عام افتتاح المطعم الأول. وهنا، لا يقتصر التعبير الثقافي على الطبق بل يتخطاه إلى فعل اللقاء حوله.

وبين هذين العالمين، يمثل طهاة مثل باكو رونثيرو أناقة إسبانية معاصرة دقيقة وعميقة الجذور. وفي مطعمه الذي يحمل اسمه والذي يقع أعلى قصر يعود بتاريخه إلى القرن الـ19، لا تكمن الفخامة في المنظر ولا في نجمتي ميشلان، بل في إدراك مفهوم الطعام الذي يقدم هنا كفعل إصغاء – فمطبخه يقود حواراً بين الماضي والحاضر، ويكشف أوجه مدريد المتعددة.

ما وراء المدينة: منطقة مدريد الكبرى

Chinchon
Chinchon
Chinchon

غالباً ما يغفل زوار مدريد الجدد أحد جوانبها، وهو منطقتها الأوسع التي لا تقدم مشهداً مغايراً فقط، بل نقلة نوعية في إدراك المكان أيضاً. فهذه المنطقة هي امتداد يكمل قصة المدينة، وبوابة تؤدي إلى المناظر والقرى التي تشكل امتداداً طبيعياً خالداً لهوية العاصمة الإسبانية.

وليس عليك الذهاب بعيداً لتعيش التجربة. فعلى بعد أقل من ساعة بالسيارة عن وسط مدريد تقع Chinchón. وهي تتميز بساحتها الرئيسية، Plaza Mayor، الشبيهة بالمدرج، والمحاطة بشرفات خشبية متدرجة. في الواقع، لا تُعد هذه الساحة معلماً للتأمل، بل مسرحاً للحياة المحلية. إنها الوجهة المثالية للاستمتاع بمذاق القهوة مع خفوت ضوء الظهيرة، أو للتنزه مساءً حين يصبح الجو أكثر برودة (وخلال فصل الصيف، يمكنك أن تشهد على تحولها إلى حلبة مصارعة ثيران مفتوحة).

ويظهر هذا الطابع الإقليمي أيضاً في La Casa del Pregonero الواقع في قلب الساحة. وهنا، تعيد الشيف ومالكة المطعم، ميريان هرنانديز، تعريف النكهات الكلاسيكية بإضافة لمسىة عصرية إليها، وباستخدام منتجات محلية استثنائية، ما يدعو الرواد للعودة إلى الجذور. وتتجلى هذه التجربة بأبهى صورها من خلال قائمة خوسيه ساكريستان، التي تكرّم أكبر أبناء Chinchón والتي تجمع تراث المدينة الطهوي والثقافي.

San Lorenzo de El Escorial Library
San Lorenzo de El Escorial Library
San Lorenzo de El Escorial Library

ويتبدل نمط الحياة مجدداً عند الصعود نحو سكون Sierra de Guadarrama. وهنا، وفي موقعها الهادئ عند سفح جبل Abantos، تقدم بلدة San Lorenzo de El Escorial  هدوءًا نقياً أشبه بذلك الذي يسود الأماكن الروحانية ما يجذب السكان إليها منذ قرون. وفيما يشكل الدير والموقع الملكي، أحد المواقع المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي والمعلم الذي يجسد إرث آل هابسبورغ، أفق المدينة، يكمن نبض البلدة العصري في ارتباطها الوثيق بالطبيعة البرية.

 ويبدو هذا الارتباط أكثر بروزاً في Montia، حيث يحضر الشيف الحائز على نجمة ميشلان، دانيال أوتشوا، أطباقاً مستوحاة من تلك الطبيعة. ويشكل هذا المطعم امتداداً طبيعياً للسلسلة الجبلية المحيطة به، حيث يأتي بمكوناته مباشرة من الغابات ومحال المنتجين المحليين الصغار. وفي أجواء دافئة تجمع الطابعين الريفي والمعاصر، تعبر القوائم الموسمية عن المشهد من خلال لمسات مبتكرة تضاف إلى الأطباق التقليدية مثل كالوس وفطر البيبيتوريا. إنه المكان حيث يمكن الشعور باكتمال الرحلة إلى مدريد: مزيج راق يجمع طموح المدينة في مجال الطهو وصدق الطبيعة البرية الموسمية.

وإذا نظرنا إلى مدريد ومنطقتها الأوسع من علٍ، سنرى مشهد الوجهة الكامل: مكان مناسب للعيش الرغيد، وحيث تعبر الثقافة، المطبخ، والمناظر الطبيعية عن الماضي والحاضر، وحيث يشعر الزائر العائد بأنه يتعرّف على الأماكن مجدداً.


لمزيد من المعلومات، أنصحك بزيارة الموقع: www.onlyinmadrid.me