سفر وإقامة

20 عاماً وأنا أحلم بهالشتات- وهكذا بدت يوم قمت بزيارتها

محمّلاً بذكرى من زمن طفولته وبآلة تصوير، انطلق طارق حجازي، محرر LIST، لاستكشاف هالشتات -الواقعة في منطقة سالزكامركوت في النمسا- ولمعرفة ما إذا كانت ترقى فعلاً إلى الصورة التي شاهدها في لوحة علقت في منزل أمّه

بواسطة /
30 أكتوبر 26
20 عاماً وأنا أحلم بهالشتات- وهكذا بدت يوم قمت بزيارتها
من خلال تقرير طارق حجازي ستعرف لمَ تعتبر هالشتات وجهة مثالية لمحترفي التصوير الفوتوغرافي وهواته

ثمة لوحة ظلت معلقة في غرفة الجلوس في منزل أمي لمدة طويلة: مشهد يمتد على طول خط ساحلي حيث تبرز قبة كنيسة وسط شلال من الأسطح الجملونية، فيما يغمر المنظر بأسره ذلك الضوء الألبي من النوع الخاص والذي يبدو وكأنه عبر قروناً من الزجاج الملون. لا شك في أنني تأملت تلك اللوحة آلاف المرات خلال نشأتي، سواء أثناء جلوسي على الأريكة، إلى مائدة الطعام، أو عند عبوري إلى الحديقة. وكانت اللوحة معلقة وكأنها مهيأة لتناسب ذلك العالم، حيث كانت القطع المصنوعة من خزف فينّا تنتشر حولها مشكلة لمسات رقيقة. لم أكن أعرف عن المنطقة سوى ما كانت تظهره اللوحة منها، ومع مرور الوقت، ارتسمت في ذهني كوجهة سأزورها يوماً: إنها هالشتات.   

ومرت أكثر من 20 عاماً ولم أزرها. كانت تلك اللوحة تشعرني بالاكتفاء، بل ربما كانت، في بعض نواحيها، أفضل مما يمكن أن يبدو عليه المكان في الحقيقة. فالواقع قد يخيّب الآمال فيما تبقى اللوحة على حالها. ثمّ، في أحد الأيام، وجدتُني في فيينا أمتلك متسعاً من الوقت خلال فترة ما بعد الظهر. لقد انتظرتِ اللوحة وقتاً طويلاً.

وهكذا ذهبت إليها.   

تستغرق الرحلة على متن القطار إلى هالشتات ثلاث ساعات، وهي مدة كافية ليفرض المشهد الطبيعي سحره وليقنعك بجماله. ويتطلب الأمر الانتقال إلى قطار آخر في محطة أتناغ – بوخهايم، وهي نقطة تقاطع تتسم بطابع بيروقراطي جاف يجعلها تبدو كأي مكان في أوروبا، ثم يبدأ المشهد بالتغيّر- إذ يرتفع الأفق، تضيق الأودية، ويميل العالم إلى الامتداد العامودي. وبحلول وقت الوصول إلى محطة هالشتات (وهي محطة خالية من الموظفين وتضم رصيفاً فقط)، تجد أنك استسلمت تماماً لجاذبية المناظر الطبيعية التي عبرتها للتو. لكن هذه المحطة ليست إلا تمويهاً. فالبلدة تقع على ضفة المياه المقابلة، وتنتظر العبارة ستيفاني وصول كل قطار لتجتاز المسافة خلال مدة 10 دقائق مقابل بضعة يوروهات.  

في تلك اللحظة، تتحول الوجهة من صورة بطاقة بريدية مجرّدة إلى واقع ملموس ثلاثي الأبعاد: تظهر أولاً قبة الكنيسة الإنجيلية ثم البيوت الخشبية التي تعود إلى القرن السادس عشر والتي تتشبث بالواجهة الصخرية بثبات راسخ أو بثقة مفرطة ببنيتها، والبحيرة التي تؤدي مهمتها كلوحة ثانية. وقد التقطت أكثر من 50 صورة حتى قبل أن يحين موعد الرسو.   

 

Hallstatt Austria Tarek 01

 المنظر الذي جئت من أجله – المكان الذي ألهم لوحة والدتي والملايين من صور الروزنامات – يقع عند شارع غوساومول حيث يطل على الكنيسة. وجدته بعد مرور 20 دقيقة. وأمضيت اليوم متجولاً على امتداد المئتي متر نفسها على الشاطئ باحثاً عن زوايا تصوير أفضل، منتظراً تبدّل مشهد الغيوم، وملاحقاً الضوء وهو يخفت مع تراجع عدد الزوار. تصل الحافلات عند الساعة العاشرة صباحاً تقريباً وتغادر في الرابعة عصراً. وقد مكثت لليلة واحدة فقط، لكن هذا لا يعني أن ضوء الصباح الباكر وأواخر النهار كانا ملكاً لي.  

في النهاية، وضعت الكاميرا جانباً وتناولت الطعام. فمطعم سيويرت زاونر يقع عند الواجهة البحرية، ويقدم سمك الرينانكي، وهو سمك أبيض محلي: قطعة ذات شكل هندسي نظيف، ينفصل لحمها عن عظمها مشكلاً طبقات فاتحة اللون ومتماسكة، فيما يحافط جلدها المقرمش على شكله تحت الشوكة. يكاد طعمه يشبه طعم البحيرة نفسها – معدني، نقي، جبلي.

بعد ذلك، صعدت على متن القطار الجبلي المائل متوجهاً إلى رودولفستورم وقمت برحلة لمدة خمس دقائق تؤدي بك إلى مدخل مناجم الملح وتكافئك بإطلالة بانورامية: المدينة التي تصغر وتتحول إلى رسم تخطيطي، وأسطح المنازل المتراصة التي تبدو كبقعة طين على سطح الماء. وقبل المغادرة، يستحق بيت العظام، بينهاوس، الكائن في كنيسة ميخائيل الزيارة – أكثر من ألف جمجمة تمّ استخراجها لتزيّن بأوراق بلوط وورود وتُرتّب في صفوف منظمة منذ القرن الثاني عشر. هو ظلّ لا بد منه يرافق كل ذلك الجمال المحيط بالبحيرة، ويذكّر بأن بشراً عاشوا هنا وماتوا منذ زمن بعيد، وبأن المشهد الذي يظهر في لوحة أمي ظلّ قائماً بعد رحيلهم جميعاً.    

كانت دقيقة، تلك اللوحة. فبرج الكنيسة يرتفع في الزاوية ذاتها تماماً. والضوء يتغيّر كما يبدو حاله فيها. وبعد أكثر من عشرين عاماً تأملت خلالها ذلك الإطار المعلق في غرفة معيشة أمي، تبيّن لي أن ما يظهر فيها كان حقيقياً دائماً. وعدت إلى لندن محملاً بـ63 جيغابايت من اللقطات والصور.   

ربما كانت هالشتات المكان الوحيد على وجه الأرض حيث لا يمكن التقاط صور سيئة وإن حاولت القيام بذلك.  

Hallstatt Austria Tarek 1

التقط كل الصورمدير تحرير مجلة LIST طارق حجازي