"لكن الحياة حلوة وأنت معي...". صدح صوت الدي جي مبارك وإيقاعاته المرحة في فضاء سيارتنا أثناء انطلاقها بسرعة إلى ليل الرياض. كان الوقت متأخراً جداً، جداً، جداً، وكنت أقوم بجولة بالسيارة في محيط العاصمة برفقة مجموعة صغيرة من الزملاء الجدد الذين أصبحوا أصدقاء: سعوديتان، إيطالية، وأنا، اللندنية. كانت تلك الزيارة الأولى التي أقوم بها للسعودية، وبصراحة، أبهرتني حياتها الليلية.
ليلة بعد أخرى خلال ذلك الأسبوع، كنا نتنقل في أنحاء المدينة ونمضي أوقاتاً ممتعة من لحظة الغروب حتى ساعات الصباح الأولى. وقد تصفحنا الملصقات القديمة والتحف الغارقة في الغبار في سوق الزل عند الغسق. كما توجهنا إلى معهد مسك للفنون المعاصرة حيث تمكنا من استكشاف أعمال مبدعين مثل ديفيد هوكني، والرسام السعودي زياد كعكي، وفنانين آخرين انضموا إلى العرض الرقمي.
وهناك صفقنا مع الحشد الذي اجتمع في قاعة الموسيقى الحية، ذا ويرهاوس، حيث عزفت فرقة موسيقية عربية مميزة ألحانها، وتبادلنا أطراف الحديث مع بعض الحاضرين في الفترات الفاصلة بين الأغنيات. كذلك استفدنا من خدمة القهوة التي تقدم للسيارات طيلة أيام الأسبوع وعلى مدار الـ24 ساعة، وقمنا بتدخين الشيشة على التراسات في أجواء منعشة، وبالطبع التقطنا صور السيلفي أمام جداريات فنّ الشارع العملاقة، واشترينا الأسطوانات القديمة من متجر يعرض أسطوانات الفينيل.
ولم نفوت فرصة شرب شاي الكرك قرب الموقد في حي السمحانية حيث ترتفع الأبنية المشيدة من الطوب اللبن. وبين محطة وأخرى كنا نعود إلى السيارة ونواجه الازدحام المروري فيما ترتفع أصوات قوائم التشغيل التي تضم أغنيات الهيب هوب العربية، وموسيقى بانك دابلن، وأغنيات الحب السعودية.
بالطبع، شعرنا بالجوع أثناء قيامنا بمغامراتنا، وكنا نتوقف مرة كل بضع ساعات لنتزود بالطاقة في أيّ مكان، من أكشاك الشارع إلى المطاعم الفاخرة. وهكذا تشاركنا أطباق السوشي والموكتيلات متعددة الألوان على الشرفة الرائعة التابعة لمطعم شوتو ماتي الياباني البيروفي الشهير. كانت تلك إحدى تجاربنا الأكثر روعة، وقد استمتعنا بتناول حنيذ لحم الضأن المطهو ببطء في مطعم سهيل السعودي الراقي.
وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، اكتشفنا عربة The60pasta التي تقدم الطعام الإيطالي. وهكذا تناولنا الباستا التي تقدم في أكواب الخبز مع الصلصة فيما كنا نسترخي على الوسائد في حديقة قريبة مضاءة بالمصابيح. وكان الاستمتاع بالمشروبات الخالية من الكحول في وقت متأخر ليلاً أمراً غير اعتيادي بالنسبة إليّ. وقد لاحظت الفرق الذي أحدثته هذه التجربة: اليقظة والحرية في آن.
واللافت أن العاصمة ترتدي حلتها الخاصة الرائعة بعد حلول الظلام، حيث تنبض بالحياة وتزدان بأضواء النيون المنبعثة من ناطحات السحاب، وبألوان شاشات الـLED العملاقة، والنوافير المضاءة، والشرفات المزينة بوسائل إنارة ساحرة. وفي هذا الوقت من اليوم تفتح كل المرافق النهارية تقريباً أبوابها أمام الزوار، من المقاهي، إلى مساحات اللعب، فالمراكز التجارية والرياضية. ويعني هذا أنه يمكن العائلات البقاء في هذه الوجهات حتى وقت متأخر، ما يضفي على الأجواء الدفء ويُشعر الجميع بالراحة. لذا لا عجب في أن تلتقي الأطفال خارج منازلهم عند منتصف الليل، حيث يمرحون، ويلعبون، ويتناولون الوجبات الخفيفة، ويركضون في الحدائق.
والأهم أن التحرش بالنساء في الشوارع ممنوع، حيث تفرض غرامات باهظة وعقوبات بالسجن على مَن تتم إدانتهم بارتكاب هذا الجرم. في الواقع، تنخفض نسبة الجريمة إلى حد كبير في هذا البلد. وبالنسبة إليّ بدا الاختلاف واضحاً جداً بين الحياة الليلية في الرياض وأمسيات المدن السعودية الأخرى عند توجهي إلى إحدى عربات الطعام. فقد تم ركنها في منطقة هادئة في المدينة، على حافة حديقة منعزلة وذات إضاءة خافتة للغاية. وحينها شاهدت مجموعات من الفتيات وهنّ يستمتعن بتناول معكرونة النزهات في المكان. وكان واضحاً شعورهن بالأمان. بالفعل، لم أستطع تذكر أي مدينة أخرى حيث لا يمكن الشعور بالخطر أحياناً.
في تلك الليلة تحديداً، كنت أتوجه برفقة مجموعتي إلى أحد فروع مطعم ماما نورة، أفضل سلاسل الوجبات السريعة في الرياض من دون منازع. كانت الساعة 3 فجراً، لكن المطعم المضاء بشكل جيد والصاخب كان مكتظاً بالزبائن. وكانت رائحة الشاورما تنبعث منه عند وصولي إليه، وهنا استمتعت بتناول لفافة دجاج دافئة، مع البطاطا المقلية، والمخللات الحامضة، وصلصة الثوم الكريمية، وكانت التجربة لا تضاهى. وفيما كنت أشرب كوباً من عصير الرمان الطازج، اقترب منا بعض الشبان المحليين حين سمعونا نتحدث بالإنكليزية وسألونا بلطف عما إذا كنا نمضي أوقاتاً ممتعة في السعودية.
وبعد أن شعرت بالتعب الشديد، قررت العودة إلى مكان إقامتي. إلا أن أصدقائي في الرياض لم يرغبوا في إبطاء المسيرة، حيث خططوا لشرب مزيد من القهوة، وللاستمتاع بألعاب الطاولة في أحد المقاهي التي تفتح أبوابها حتى وقت متأخر. وأثناء عودتي بالسيارة إلى الفندق حيث أقيم، كان الطريق السريع مزدحماً، وكانت الشوارع والمقاهي تنبض بالحياة، ومراكز التسوق المفتوحة ترسل أضواءها إلى الأفق.
وحين اعتدت القيام بما يفعله السكان المحليون، واستبدلت النوم بفنجان قهوة كبير، أصبحت الأيام التي أمضيتها في المملكة مزدحمة كما لياليها. وكان وثبة الوجهة المفضلة لديّ (دون غيرها) للتزود بالكافيين. ووثبة هو مكان رائع يجمع مفهومي المقهى والمكتبة ويستقبل ضيوفه في حي النرجس. وقد علمت أنه ولد من بنات أفكار منيرة آل تويم، ولاحظت أنه يظهر شغفها بالقراءة في كل نواحيه، من خزائن الكتب الممتدة من الأرض إلى السقف، إلى قواعد الأكواب المستوحاة من الروايات. وأثناء استمتاعنا بمذاق القهوة الفاخر، تحدثت ومنيرة عن السفر، الفن، التصميم الداخلي، والتحف. واكتشتف أنها استوحت مطبوعات المقهى الأنيقة وأكسسواراته من ثقافات بلدان بعيدة مثل فرنسا، اسكتلندا، ومصر. وكان رائعاً أن أسمعها تروي كيفية تحقيقها هذا الحلم وتأسيسها هذا الملاذ الدافئ حيث يمكن عشاق الأدب الشعور بالراحة.
وبالطبع، لم أتمكن من مغادرة السعودية من دون التوجه إلى صحرائها.
ففي آخر أيام الرحلة، ذهبت برفقة مجموعتي، على متن سيارة أوبر، إلى منطقة الرمال الحمراء التي تقع على بعد 45 دقيقة عن الرياض. وكان مشهد الكثبان مدهشاً، علماً أن المنطقة تحولت إلى مساحة لممارسة الرياضات والألعاب المثيرة، ومنها قيادة السيارة على الكثبان، ركوب الجمال والدراجة الرباعية.
وقد قمنا بمغامرة لا تُنسى على متن سيارة رباعية الدفع، فربطنا أحزمة الأمان ثم طلبنا من السائق الانطلاق. ومن دون أن نعلم كانت السيارة تتسلق مرتفعات رملية شديدة الانحدار، تلتف، وتنزلق فيما يعلو صراخنا مع تناثر الرمال على الزجاج الأمامي وعبر النوافذ. وأخيراً خرجنا من السيارة بعد توقفها في مكان بعيد آسر وسط الكثبان. وحين تأملنا المشهد لم نرَ سوى الرمال الذهبية التي تمتد نحو الأفق وفي كل اتجاه. وقبل أن أصعد إلى قمة أحد الكثبان، نزعت حذائي ودفنت قدميّ في الرمال الدافئة الرائعة، وكنت أشعر بالتعب والذهول في آن. وشكلت هذه التجربة النهاية المثالية لرحلة قمت بها إلى الرياض ولن أنسى أيّاً من فصولها يوماً.
تصوير: أروى الغامدي
كلمات: هيلين إلفر








