سفر وإقامة

سمرقند المدهشة: لماذا يتوجه المسافرون الخليجيون إلى وسط آسيا؟

تحت قبابها الفيروزية وفي ظلّ عظمة الحقبة التيمورية، تجمع المدينة الأكثر عراقة في أوزبكستان الضيافة الراقية والأجواء المتجذرة في العصر الإسلامي الذهبي. وها هي اليوم تستعيد مكانتها في قلب العالم

بواسطة /
11 يونيو 26
سمرقند المدهشة: لماذا يتوجه المسافرون الخليجيون إلى وسط آسيا؟

تشهد سمرقند نهضة حقيقية. فعاصمة طريق الحرير القديمة التي شكلت نقطة اتصال بين الشرق والغرب تشغل حالياً مكانة مرموقة كأبرز وجهة فاخرة يمكن الوصول إليها بسهولة في وسط آسيا. وفيما يمكن لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي السفر إليها من دون الحاجة إلى تأشيرة، تضم سمرقند مطاراً جديداً يتميز بتصميم عصري أشبه بكتاب مفتوح، كما تنتشر فيها مجموعة من الفنادق من فئة الخمس نجوم والتي فتحت أبوابها أمام الضيوف في أنحاء مختلفة منها. في الواقع، تقدم المدينة تجربة نادرة: العمق الروحاني المرتبط بعصر الإسلام الذهبي في قالب الضيافة العصرية المريح. وإذ تتميز سمرقند بتصاميمها الرائعة، تطلعاتها الطموحة، وقيمها الراسخة، فهي لا تُعد موطناً للأطلال التي تخيّلتها كتب الرحلات العائدة إلى القرن الـ19، ولا متحفاً سوفييتياً معزولاً ينتمي إلى حقبة الحرب الباردة، بل هي عملاق صاعد.

 

كيف أصل إلى سمرقند؟

ستنطلق الرحلات المباشرة من أوروبا والعواصم الآسيوية العام المقبل حيث ستتجاوز طشقند. وإلى أن يحين هذا الموعد، سافِر إلى عاصمة أوزبكستان ثمّ استقل قطار أفراسيوب الشهير. ويشق هذا القطار مساره عبر السهوب الجرداء بثقة هادئة تجعل الرحلة أشبه بالإجراء العيادي. في الواقع، كانت محطة سكة حديد سمرقند التي يعود تاريخ بنائها إلى العام 1888 وجهة أساسية للمستكشفين القيصريين. واليوم، تشكل مساحتها الداخلية حديقة منسقة بعناية، حيث ينعكس الضوء على الجداريات الأنيقة، فيما يتميز قسم كبار الشخصيات بالهدوء والوقار وهما من سمات النوادي الخاصة.

أين أقيم في سمرقند؟

تعكس خيارات الإقامة مشهد المدينة الذي يجمع التراث والطموح. فإذا كنت تبحث عن مكان إقامة فاخر، تذكّر أن هيلتون سمرقند ريجينسي أو موفمبيك سمرقند هو الخيار المثالي. أما إذا كنت تفضل تجربة أكثر حميمية، فلا تنسَ فندق كوش هافوز البوتيكي الذي يوفر بديلاً راقياً قريباً من المركز التاريخي.

البداية الأفضل

Registan Uzbekistan via unsplash hans-jurgen-weinhardt

خصص صباحك الأول لزيارة ساحة ريجستان. ويعني هذا الإسم حرفياً "المكان الرملي". لكن هذه الساحة تشكل في الواقع لوحة فنية ساحرة تقع على طريق الحرير، وتتميز بقبابها الفيروزية ومآذنها شاهقة الارتفاع. وهنا، ترتفع ثلاث مدارس بشكل متناسق: أولوغ بيك، شير دور، وتيلا كوري. وتزيّن الهندسة المعمارية الخاصة بهذه الأماكن كل ورقة نقدية وبطاقة بريدية، ورغم هذا فإن مشاهدتها على أرض الواقع تثير في النفس شعوراً بالدهشة والإعجاب. وترتبط هذه الروعة، مع ذلك، بإجراء معماري حديث نسبياً. ففي منتصف القرن العشرين، ابتعلت الرمال الأساسات، وتركت المآذن مائلة وكأنها نجت للتو من تأثير زلزال. وقد أزال المهندسون المعماريون السوفييت آلاف الأمتار المكعبة من التربة، واستخدموا رافعات هيدروليكية لفصل المآذن عن قواعدها، ثم أعادوها بدقة متناهية إلى وضعيتها العامودية. وماذا بعد؟ وسط هذه اللوحة، يرتفع نصب تذكاري لخوجة محمد كوتانغو، الجزار الذي أطعم البنائين مجاناً لمدة 14 عاماً – ويمثل هذا النصب تذكيراً صامتاً يفيد بأن الصدقة تشكل أساس هذه المعالم كما هي حال الجير والطوب.   

استراحة في عالم الطهو

يعني الغداء، عادةًـ طبق البلوف. إلا أن بلوف سمرقند لا يدل على الطبق فقط، بل على طريقة إعداده الفنية أيضاً. وعلى عكس الأنواع المختلفة المنتشرة في أوزبكستان، يتم تقديم هذا الطبق في المدينة بطريقة احتفالية، على شكل طبقات من الأرز ذهبي اللون، لحم الضأن الطري والجزر الأصفر المطهو والذي يتميز بقوام الزبدة. كذلك تزين حبات الثوم الكاملة وشرائح الفليفلة الحارة الأرز اللامع بفعل إضافة زيت بذر الكتان أو القطن. واللافت أنه لا يتم خلط المكونات حيث يمكنك الاستمتاع بتناول الطبقات واحدة تلو الأخرى، ما يشكل درساً في الصبر. أما الفرادة فتتجلى في حضور السكان المحليين وفي اشكال أواني الطهو الضخمة المصنوعة من الحديد الزهر. وهكذا تمتلئ المائدة بحديقة من السلطات وقطع السمسا والنان (خبز أوزبكي لذيذ). وهنا، تقدم الأطباق بشكل جماعي ويحضر بالطريقة الحلال وبكمية وفيرة. وبالنسبة إلى المسافرين المسلمين، تشكل ثقافة الطعام في هذه الوجهة سبباً خاصاً للشعور بالراحة: فأنت لن تحتاج إلى السؤال أو التحقق لأن الالتزام بالمعايير الإسلامية هو القاعدة.

 

اليوم الأول: جولة سياحية

Bibi-Khanym Mosque wikipedia

تفضي أجواء ما بعد الظهر إلى المشهد الروحاني. وهكذا يبدو مسجد بي بي خانوم شامخاً حيث يمثل طموح تيمور نفسه – وهو بناء عظيم، كما يصفه بعضهم، حتى أن إتمام عملية بنائه كانت أمراً مستحيلاً. وفي مجمّع حضرة خضر، المبني على تلة، يقع ضريح إسلام كريموف. نعم، هنا يرقد أول رئيس لأوزبكستان بعد الاستقلال، في جوار قديسين قدماء وأمام آثار تيمور، وهو أمر كان مقصوداً. فبعد مماته كما في حياته، تمكن كريموف من إقامة الصلة بين الهوية الوطنية الحديثة والإرث العريق.

إذاً لا تنسَ تأمل هذا المشهد ثم اختتم يومك هذا في بارزار سيوب حيث تعرض التوابل، الفواكه المجففة، الأقمشة، أنواع الخبز، اللبن الزبادي والدوبي -  أي القبعة المربعة الشهيرة في البلاد. فهنا، تغمر الحواس العقل في فيض فوضوي يبدو وكأنه لم يتغيّر منذ زمن القوافل.

في الواقع، تبدو سمرقند مدينتين متداخلتين. فالمدينة القديمة تتميز بأزقتها الضيقة ومدارسها العريقة، وتعتبر القلب الروحي لهذه الحاضرة. لكن إذا تجولت في الحيّ الروسي حيث تمتد الشوارع الواسعة المزينة بالأشجار والتي أنشأها الجنرال كوفمان في العام 1868، فسترى الوجه الآخر لسمرقند: المدينة الاستعمارية التي صممت لتناسب الإداريين الأوروبيين الذين سعوا إلى إعادة تشكيل آسيا الوسطى على صورتهم.

تجارب اليوم الثاني

rugs uzbekistan tim-broadbent

ابدأ يومك بزيارة مصنع سجاد سمرقند بخارى الحريري. فقد عبر قادة عالميون المنطقة الواقعة وسط هذه الجدران، وأبدوا إعجابهم الشديد بقطع لا يمكن وصفها بالعادية بل بالتحف الفنية الخالدة. في الواقع، قد يستغرق إنجاز كل قطعة عاماً كاملاً حيث يتم نسجها يدوياً باستخدام أصباغ طبيعية وخيوط حريرية.

وثمة اختبار يساعد على التمييز بين الأصلي والتقليد الصناعي. إذاً إطوِ السجادة وتفحص العقد. نعم، لا يمكن الآلات محاكاتها. وإذا كانت الطبقة الخلفية موحدة وصلبة فهي تشير إلى أن السجادة صناعية. فالسجاد الحريري الحقيقي المنسوج يدوياً يظهر براعة الصناعة في كل تفصيل. وفيما تنتج الآلات نماذج موحدة، يُبرز الحرفيون الروح ببراعة ظاهرة.

ورق أقدم من الطباعة

في قرية كونيغيل الصناعية، يتردد في الأجواء صوت دقات متناغمنة تصدر عن تروس خشبية تعمل بالطاقة المائية وتطحن لحاء التوت حتى يتحول إلى عجينة. إنه ورق سمرقند الذي يُغلى ويصفّى قبل أن يتم صقله باستخدام أحجار العقيق حتى يصبح متيناً بما يكفي لحفظ الكلمات المقدسة لأكثر من 2000 عام. ويعني حمل هذا الورق الاستحواذ على تقنية أقدم من المطبعة.

الممر الأزرق

لاحقاً، يُنصح بصعود درجات شاه زنده، "الممر الأزرق"، حيث تتسلق المقبرة سفح التل في لوحة بديعة تتشكل من البلاط الأزرق والكوبالتي والفيروزي والأزرق السماوي. وقد صُنعت هذه البلاطات القديمة بالاعتماد على تقنية الخبز على درجات حرارة مختلفة، حيث أكسبتها هذه التقنية متانة استثنائية. وقد حاول المرممون السوفييت صنع نسخ مقلّدة في القرن العشرين، إلا أن عملهم افتقر إلى روعة القطع الأصلية العميقة.

 ويكمن سحر شاه زنده الحقيقي في درجاتها. وتقول الرواية المحلية التقليدية إن قيامك بعدّها أثناء صعودك وتفكيرك بأمنية ما، ثمّ قيامك بعدّها مجدداً أثناء نزولك، وحصولك على عددين متطابقين (صعوداً ونزولاً) يعني أن أمنيتك ستتحقق. وفي المقابل يعني عدم تطابق العددين، أن عليك العودة إلى سمرقند. ومن القمة لا بد لك من تأمل المنظر في الأسفل: مدينة القمم والمآذن المحاطة بالحدائق والتي بُنيت لفصل المعالم الأثرية عن الأحياء السكنية.

مستقبل جديد

يمثل مجمع طريق الحرير في سمرقند رهاناً بقمية 580 مليون دولار على مستقبل المدينة. وقد تم افتتاحه في العام 2022 في احتفال كبير، ويهدف هذا إلى إثبات قدرة المدينة على استضافة رواد العالم في أجواء الفخامة المطلقة. وهكذا تنتشر مجموعة من الفنادق الفاخرة الجديدة في محيط حديقة المدينة الخالدة (الإثنوغرافية)، وهي نسخة حيّة تمثل الهندسة المعمارية القديمة حيث يمكن الزوار تناول الطعام، التسوق، والتنزه وسط 44 مبنى تحاكي أنماطاً معمارية إقليمية عريقة. وبالطبع، تشير الشراكات التي عقدت مع علامات فندقية كبرى إلى أبعاد المشروع الطموح.

قبل مغادرتك

Samarkland Uzbekistan via unsplash alexander-gluschenko

احرص على زيارة غور أمير، أي ضريح الأمير تيمور. بالفعل، وحدها الأبواب التي تتميز بزخارفها المبهرة وتفاصيلها الدقيقة، ستذكرك بأن الأبواب في أوزبكستان لطالما شكلت رمزاً للثراء والمكانة الاجتماعية. أما في الداخل فيبدو تواضع تيمور جلياً، إذ يعتبر ضريحه بسيطاً مقارنة مع مدافن معلمه وأبنائه.  

لقد فُتح الطريق الذهبي مجدداً ليبرز روح العصر الذهبي الإسلامي في أجواء القرن الحادي والعشرين. أما السؤال الذي لا بد من طرحه فهو: متى ستترك أمنيتك على درجات شاه زنده، وهل سيساعدك التعداد على تحقيقها؟