انطلق ثور بيدرسن قبل عقد من الزمن من ثلاث قواعد بسيطة – لا طيران، لا عودة إلى المنزل، وميزانية يومية لا تتخطى الـ20 دولاراً أميركياً – إذاً ذهب الرجل في رحلة ليصل إلى كل دولة في هذا العالم.
في العام 2013، وحين كان في الـ34 من عمره، قرر ثور تحدي ذاته من خلال اتباع هذه القواعد الثلاث والبقاء لمدة 24 ساعة على الأقل في كل بلد.
بالفعل، لم ينفق أكثر من 20 دولاراً في اليوم الواحد، وتوقع ابن بطوطة العصر الحديث في البداية أن يتمكن من القيام برحلة لمدة أربع سنوات يصل خلالها إلى 203 بلدان من دون أن تطأ قدماه أرضية الطائرة. لكن حين يتعلق الأمر بالسفر، لا يمكن توقع الكثير وبالنظر إلى صعوبة هذا التحدي، يبقى الخطأ أمراً وارد الحدوث. وبالنسبة إلى ثور كان لا بد من مواجهة كثير من العقبات، من تأخر صدور التأشيرة مرات عدة، إلى الطرق الالتفافية التي تزيد مسافتها على 11.200 كلم، فقيود السفر والظروف الجوية السيئة، والإصابة بالملاريا الدماغية. وأودى به هذا إلى تمضية عقد من الزمن متنقلاً على الطرق.
ويعني هذا 3.567 يوماً حافلة بالمغامرات، المتاعب والحكايات – وقد تحدث عنها المغامر الدانماركي في كتاب مذكراته الجديد The Impossible Journey أو الرحلة المستحيلة. وسبق هذا حضوره مهرجان الإمارات للآداب الذي سيتم تنظيمه في دبي من 21 حتى 27 نوفمبر 2026.
وقد جلست مؤخراً برفقة ثور بيدرسن لاستكشاف رؤيته الفريدة للعالم، وجرت بيننا محادثة أتطلع إلى تشاركها مع قراء LIST.
أولاً، نقطة البداية البديهية: لمَ تحدّيت نفسك وقررت السفر حول العالم من دون أن طائرة؟
حين كنت طفلاً، كانت والدتي تصحبني إلى الغابة حيث كانت تبحث عن الفطر. وكانت تروي على مسمعي قصصاً عن مغامرات حقيقية وخيالية.
وحين كبرت، أيقنت أنني ولدت متأخراً جداً. فقد سبقتني كل الإنجازات العالمية: الإبحار حول العالم، اكتشاف أراض جديدة، الوصول إلى القطبين، تسلق أعلى الجبال، وحتى الوصول إلى القمر. لقد تحقق كل هذا فعلاً. وفي العام 2013، أرسل إليّ والدي بريداً إلكترونياً يتضمن رابطاً. واتبعت الرابط وعلمت أن أياً من المغامرين لم ينجح في الوصول إلى كل بلدان العالم من دون أن يستقل الطائرة.
شعرت بأهمية هذا الأمر في العام 2013. كنت في الـ34 من عمري وكنت أعتقد أنه يمكنني تحقيق ذلك خلال أربع سنوات (لكن هذا لم يكن واقع الحال).
ما البلد المفضل لديك؟ وما البلد الذي لم يحظَ بإعجابك؟
يبدو تحديد أفضل بلد في العالم أمراً مستحيلاً. يشبه هذا اختيار أغنية واحدة من ضمن قائمة تتضمن 200 عمل أو تفضيل أحد الأبناء دون الآخر. بلد مفضل لماذا؟ للقاء الناس، للتسوق، للقيام برحلة هايكنغ، لتوفير المال، للغوص إلى جانب الحيتان، لتناول الشوكولاته؟ الإجابة على هذا السؤال لا تعتبر سهلة كما يظن الناس.
ربما يسهل الحديث عن بلد لم يحظَ بكثير من التقدير، لكن الإجابة لن تكون مباشرة أيضاً. فمعظم البلدان التي تشهد صراعات مسلحة لا تحظى بالإعجاب. لكنني أبدي إعجابي الشديد بليبيا. نعم، يعتقد كثر أن ليبيا بلد خطر وأنه ليس عليهم زيارته، لكن الحظ حالفني حيث تمكنت من العمل فيها لمدة عامين منذ نحو عشرين عاماً. فليبيا أرض غنية بتاريخها الذي يعود إلى أزمنة الفينيقيين، اليونان، والرومان. وفي الصحراء تجد البربر وثقافتهم الفريدة. وتتميز ليبيا بشريطها الساحلي الطويل الممتد على حافة البحر المتوسط وبشواطئها الرائعة ومواقعها المناسبة للغوص. وهناك، تنتشر ثقافة طعام مميزة وكثير من المناظر الطبيعية الجميلة.
كيف تصف تجربة سفرك عبر بلدان الشرق الأوسط؟
كثيراً ما أمازح محدثيّ قائلاً: لو كانت الضيافة إحدى فئات الألعاب الأولمبية، لحازت منطقة الشرق الأوسط دائماً الميدالية الذهبية.
حظيت هناك بتجربة تعليمية قيّمة. وقد سافرت إلى المنطقة كسفير للنوايا الحسنة والتقيت ناشطين في الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليين من مختلف أنحاء العالم. وفي قطر، قمت بزيارة متحف الفن الإسلامي الذي يعرض مجموعة مذهلة. وفي الأردن، شيت وسط ممرات البتراء الضيقة مبدياً كثيراً من الدهشة. أما في عُمان فتوجهت إلى الجبل الأخضر حيث تنشقت الهواء المنعش. وفي اليمن أثارت إعجابي الشديد غابات الضباب المنتشرة في جنوب شبه الجزيرة العربية. وفي بغداد، في العراق، قمت بنزهة في شارع الكتب التاريخي (شارع المتنبي).
وغادرت هذه الوجهات وأنا أشعر بأنني لن أتمكن من استكشاف كل ما في الشرق الأوسط من حكايات ومعالم.
10 سنوات مدة طويلة في ما يتعلق بالسفر والابتعاد عن الوطن. فهل شعرت يوماً بالوحدة؟
نعم، هي مدة طويلة جداً. في الواقع، نادراً ما كنت وحدي، فقد كنت أسافر بميزانية لا تتخطى الـ20 دولاراً يومياً، وكنت أمضي وقتاً طويلاً برفقة الناس – لكن ثمة طرق مختلفة للشعور بالوحدة.
كثيراً ما راودني ذلك الشعور الذي ينتابنا أثناء حضورنا حفلاً مزدحماً، فرغم كثرة عدد الحاضرين نحسّ بأننا ما زلنا وحدنا. أعتقد أنها الوحدة المرتبطة بالاختلاف أو بالشعور بأن الآخرين يسيئون فهمك. وما زلت أشعر بهذا النوع من الوحدة حالياً. وفي العام الماضي، اكتشفت كلمة مثيرة للاهتمام: Exulansis. وهي تشير إلى الاستسلام أثناء سرد قصتك على مسمع من الآخرين حيث تدرك أنهم لن يتمكنوا أبداً من التفاعل معك.
في نهاية كل رحلة، نسأل دائماً: ما أفضل أوقاتك وما أسوأ تجربة اختبرتها؟ وما اللحظة الأجمل التي عشتها خلال جولتك التي شملت 203 بلدان؟
لكل سؤال إجابات عدة. لكن كانت أجمل لحظة بالنسبة إليّ هي تلك التي شهدت لقائي زوجتي في هونغ كونغ. فقد افترقنا لمدة عام ونصف بسبب مصاعب المحيط الهادئ وانتشار الجائحة العالمية. حينها تم إغلاق هونغ كونغ بإحكام. لذا، تطلب اللقاء بذل جهد كبير حيث كان عليها اجتياز الإجراءات البيروقراطية قبل الدخول إلى هذه الوجهة. كما كان عليها الخضوع للحجر الصحي في أحد الفنادق لمدة ثلاثة أسابيع. لكن قضاء مئة يوم برفقتها في هونغ كونغ كان أمراً رائعاً بعد الفراق الطويل.
وما كانت أسوأ لحظة عشتها؟
قد يكون يوم وصولي إلى مكتب الهجرة الكاميروني القريب من حدود الغابون. كنت أتعافى من الملاريا الدماغية، وفقدت الدعم المالي، فيما كانت علاقتي وزوجتي البعيدة على وشك الانهيار... لم أنم لمدة كافية، ولم أتناول ما يكفي من الطعام، وكنت أشعر بالتوتر الشديد، وفقدت تركيزي على الهدف، أي الوصول إلى أي بلد من دون طائرة، كما خذلني شخص كان يعدني بتقديم المساعدة.
في ذلك الوقت، قررت أن أستقل سيارة أجرة وأتوجه إلى المطار ثم إلى وطني. حين أعلنت استسلامي الذهني، كانت تلك أسوأ لحظاتي. لكن بعد وقت قصير تغيّر شيء ما وقررت مواصلة الكفاح.
كيف تصف تجربة ترجمة مغامراتك إلى كتاب؟
قد يعرف كثر معنى عبارة "قتل أحبائك". إنها جزء مهم من هذه العملية. فلو أردت وضع كل التجربة في الكتاب لاحتجت إلى آلاف الصفحات. في الواقع، كان الجزء الأكثر صعوبة هو اختيار القصص التي سأتحدث عنها وتلك التي سأهملها.
الكتاب قصة كلاسيكية عن الوطن بعيداً عن الوطن. يمكن اعتباره أيضاً "رحلة بطل" كلاسيكية حيث تغادر الشخصية بحثاً عن هدف ما وتنطلق في مغامرة قبل أن تعود مجدداً. وتتضمن هذه الصفحات أيضاً قصة جمعتني وامرأة تركتها ومضيت. إلا أنها تنتهي، لحسن الحظ، بطريقة جيدة. إنها دائرة مليئة بالحكايات المتنوعة.
لكن لم يشكل محتوى الكتاب النهاية بالنسبة إليّ. لديّ قصص أخرى كثيرة قد تنشر في كتابي الثاني.
ما الخلاصة التي يجب أن يتوصل إليها قراء The Impossible Journey’؟
لو خُيرت بين أمرين، لأردت للناس أن يفهموا أن البشر مجرد بشر. فما أن عدت إلى منزلي وألقيت نظرة على خريطة العالم حتى أدركت سريعاً أنني لم أزر بلداً إلا وقوبلت فيه بلطف وحصلت على الدعم.
يدفعني هذا إلى التفكير بيانصيب الناس – وهو النقيض لليانصيب العادي حيث تشتري تذكرتك فيما تكون فرص الربح قليلة جداً وحيث تعلم أنّك ستخسر. فمع يانصيب الناس أنت الرابح دائماً. قد تخسر، وأنا خسرت (أكثر من مرة)، لكن الأمور تبدو إيجابية في معظم الأحيان.
ماذا تقول لشخصك القديم، أي ما كنت عليه قبل أن تنطلق في مغامرتك الملحمية؟
لن أسمح لشخصي القديم بالمخاطرة. سأحاول أداء الأعمال المتراكمة التي تنتظرني. سأقول لنفسي إن الكلفة الخاصة التي يتعين عليّ تحملها ستكون أكبر مما تصورت. لكن لا أعتقد أنني سأصغي إلى ذاتي. ومن المفارقات أيضاً: أنني لو لم أقدم على ما فعلته لما اكتسبت الخبرة والمعرفة اللتين أمتلكهما الآن ولا أرغب في الاستغناء عنهما.
تابع مغامرات ثور عبر حساب إنستغرام: onceuponasaga@
لشراء كتاب ثور، اضغط هنا.
موقع ثور الإلكتروني: thorpedersen.dk
التقِ ثور خلال حضورك فعاليات مهرجان الإمارات للآداب الذي ينظم من 21 حتى 27 يناير 2026
إنستغرام المهرجان: emirateslitfest@








