يعج الشرق الأوسط بالمدن القديمة ذات التاريخ العريق، وتعتبر جدة من أكثر هذه المدن تميزاً. والسبب: أنها حاضرة فريدة من نوعها حقاً. ونتذكرها عادة حين يتم التحدث عن مدن مثل القاهرة واسطنبول. ولمَ لا؟ فقد شكلت نقطة تلاقٍ لمختلف الثقافات قبل آلاف السنين بفضل موقعها كبوابة لمكة المكرمة التي يزورها المسلمون سنوياً لأداء فريضة الحج.
وعاشت جدة أوج ازدهارها خلال العصر العثماني، أي حين كانت ميناءً تجارياً رئيسياً ومركزاً للحجاج الذي كانوا يأتون إليها من مختلف أنحاء الإمبراطورية. وهنا بنى تجار أثرياء معظم منازل البلد (المدينة التاريخية) في القرن التاسع عشر، وتميّزت هذه الأماكن بهندستها المعمارية الفريدة وبنوافذها وشرفاتها ذات المشربيات والتي ما زالت تشكل علامة فارقة في المنطقة حتى عصرنا هذا.
وتقع أقدم الأماكن التاريخية في جدة في حيّ البلد أو على مقربة منه. واللافت أنه يمكنك زيارتها في يوم واحد، لكن احرص أولاً على الاطلاع على مواعيد استقبال الزوار، فمعظم هذه المواقع يفتح أبوابه من فترة ما بعد الظهر حتى المساء، علماً أن بعضها يرحب بالضيوف حتى ساعة متأخرة ليلاً وخصوصاً في فصل الصيف.
البلد
أدرجت منظمة اليونسكو قلب جدة التاريخي على لائحتها للتراث العالمي منذ العام 2014. وشهدت السنوات التي تلت هذا الإعلان عمليات ترميم وتجديد طالت مختلف أبنية المنطقة ومواقعها وصروحها.
وكما ذكرنا سابقاً، أصبحت المدينة القديمة، منذ العام 657 م، معبراً يجتازه الحجاج أثناء توجههم إلى مكة المكرمة. وخلال الحقبة العثمانية، في القرن التاسع عشر، تحولت المدينة إلى مركز تجاري. وحينها شُيّد العديد من الأبنية الرائعة في البلد على أيدي تجار تركوا بصمتهم الثقافية الخاصة في هذه الناحية من المملكة.
وتتميز منازل جدة القديمة بعناصر هندستها المعمارية الفريدة، ومنها المشربيات الخشبية المزخرفة التي تغطي الشرفات والنوافد وتوفر الظل والخصوصية للسكان. ولبناء هذه المنازل تم استخدام الحجارة المرجانية أو تلك التي تم جمعها من البحر الأحمر.
ولأن البلد هو أحد أهم المواقع التاريخية في جدة، يتم العمل، منذ العام 2014، على ترميم أبنيته وتحويل بعضها إلى معارض فنية ومراكز ثقافية يمكن السياح زيارتها. ويعتبر بيت نصيف أحد أبرز الأمثلة عليها، وقد اكتسب أهميته التاريخية عندما نزل فيه الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، إذ بات يستقبل كبار ضيوف المملكة من الساسة ورجال المال والأعمال والدبلوماسيين. أما المثال الثاني فهو بيت المتبولي، المنزل التقليدي الذي بناه تاجر حجازي وتديره حالياً عائلة سعودية (يتعين عليك دفع 10 ريالات سعودية مقابل التجول في المكان)، وهو مليء بالتحف والمصنوعات اليدوية المحلية.
باب مكة المكرمة
كانت لجدة القديمة ثمانية أبواب، وهو ما تدل عليه آثار يمكنك رؤيتها أثناء قيامك بجولة فيها. ويعتبر باب مكة المكرمة الذي تم ترميمه أكثر تلك الأبواب أهمية على المستوى التاريخي. فقد كان الحجاج يعبرونه متوجهين إلى المدينة المقدسة منذ قرون.
ويروي هذا الباب كثيراً من القصص عن تاريخ جدة، كما أنه يخبر الزائرين بأن المدينة كانت تتمتع بكثير من الحصانة في العصور السابقة. وبالطبع لا بد لنا من الإشارة إلى باب المدينة (شمال المدينة القديمة)، وإلى باب شريف (الجنوب الشرقي) الذي يعود بأجزاء منه إلى القرن السادس عشر، أي إلى حقبة بناء السور الذي أحاط بهذه الوجهة لسنوات طويلة.
مسجد المعمار
يُعدّ المعمار ثاني أقدم مسجد وأحد أعرق المباني التاريخية في جدة. وقد تم بناؤه في موقع بئر قديمة ظلت تغذي المدينة بالمياه حتى القرن الثاني عشر.
ويقدم المسجد مثالاً رائعاً على الهندسة المعمارية الحجازية. وقد تم بناؤه من الحجارة المرجانية وتدعيمه بعوارض خشبية وبجصّ أبيض. واستخدمت تلك الحجارة أيضاً لبناء مئذنته التي تشكل تحفة معمارية غير عادية. ولا ننسى أن تاريخ المسجد، كما يبدو عليه اليوم، يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر. وقد شهد أعمال ترميم في العصر الحديث، وبدأ باستقبال المصلين في العام 2018.
سوق العلوي
حين نتحدث عن أجمل الأماكن التاريخية التي يجب زيارتها في جدة، لا بد لنا من أن نذكر سوق العلوي. ويقع هذا السوق في شارع قابل، أول شارع في جدة يزوّد بالكهرباء. وهو المكان المناسب لشراء الملابس والمجوهرات الحجازية التقليدية، والأحجار الكريمة وغيرها من السلع المحلية.
وهنا لا بد أيضاً من زيارة سوق البلد الذي يمتد على مقربة من باب مكة المكرمة. ويعود تاريخ هذا السوق إلى ما قبل 140 عاماً. وقد كان مقصداً للزوار الذين يريدون شراء القهوة والتمر والهال. ورغم أن بعض التجار ما زالوا يبيعون مثل هذه المنتجات في سوق البلد، يلاحظ أن معظم البضائع المعروضة للبيع اليوم هي منسوجات رخيصة الثمن وأجنبية الصنع، علماً أنه المكان المثالي لشراء غطاء للرأس أو عباءة أيضاً.








