لم أعرف القهوة في صغري، وكان الشاي مشروب "الكبار"، وقد حلمت بأن أطوي الزمن لأتمكن من شربه ولأصبح رجلًا يتجاذب أطراف الكلام مع الراشدين، بدلاً من الاكتفاء بالاستماع إلى أحاديثهم. ما زالت الصورة حيّة في ذهني، إذ يكفي أن أقفل عيني لأستحضرها: أجلس صامتاً في غرفة مغلقة وغير مكيفة تكتظ بأقاربي الكبار الذين يتحدثون عن كل شيء مستمدين طاقتهم من "برّادات" الشاي.
حينها لم أفهم حنينهم لزمنٍ مضى، واستمتاعهم بطعم المشروب الساخن في مكان تشعر فيه بأنّك مكوّن معدّ للطهو بسبب شدة القيظ. وها أنا الآن أكتب هذه المقالة فيما أجلس على المساحة الخارجية في أحد محال الشاي في عز أغسطس الحارق، فأحنّ لجلسة الكبار تلك وأنا أراقب رجالاً من مختلف الأعمار يتبادلون أحاديثاً لا تبدو مختلفة عن تلك التي كانت تضجّ بها الغرفة العائلية.
ورغم سخونة الجو، فإن المكان مكتظ بالزبائن. أعتقد أن استهلاك الشاي في السعودية يزداد مع ارتفاع درجة الحرارة، فالشاي في الصيف عادة سعودية بامتياز، بل نكتة ظريفة، ومستهلكة تقريباً عندنا.
لذا سأدلك عزيزي القارئ عالي المزاج على 5 أماكن تقدّم هذا الشراب الساخن الملائم لجو مدينة الرياض.
1 شاي عزيز
حين أوقفت سيارتي في أحد المواقف المتوفرة في محيط شاي عزيز واقتربت من المكان، تأملت مساحته الخارجية، فرأيت شاباً يقبض على عنق فنجانه بيد، وينتقي بضع حبات من المكسرات المتنوعة بيد، فيما يستخدم صديقه الجالس قبالته ارتشاف شايه الساخن كفاصل بين تفاصيل موضوع يشرحه. وبدت أهمية الموضوع واضحة من خلال العيون المفتوحة والضحكات الطويلة والملامح المعبرة عن الدهشة التي ظهرت على وجهي الشابين بعد انتهائه.
في الواقع، كان شاي عزيز أول محل شاي أزوره في الرياض قبل سنوات. وما زلت أتذكر حتى الآن ذلك الشعور بالدهشة الذي اعتراني حين رأيت العاملين هناك يقدمون المكسرات اليابانية ومكسرات البطاطس إلى جانب برّاد الشاي... فكرة عظيمة!
وهنا، عادة ما يكون المكان مكتظاً بالشباب وبالنقاشات والضحكات... كأنه استراحة شباب عمومية. وبالحديث عن النقاشات، أذكر أنني خرجت عائداً إلى سيارتي فيما كان شابان يخوضان نقاشاً بحرارة ظاهرة في الخارج.
طلبت براد شاي صغيراً بـ 17 ريالاً، مع طبق مكسرات يابانية ومكسرات بطاطس.
2 تلقيمة
الشاي والمخبوزات ثنائي عظيم، فلا شك في أنّ أول فنجان شاي تذوقته قدم لك مع قطعةٍ من المخبوزات الشهية التي كانت تعدها والدتك. ولعل هذا هو ما يشكل علامة فارقة في تلقيمة، إذ كتبت، على اللوحة، تحت اسم المحل، عبارة "شاي ومخبوزات". بالفعل، يمكنني القول إن هذا الثنائي اللذيذ هو أحد أهم عوامل الجذب في المكان.
وهنا تُعرض المباريات الرياضية. ويعني هذا أنك ستتمكن من مشاهدة مباراة فريقك المفضل برفقة مشجعين آخرين، أو أنّك ستتجنب الاقتراب من المكان في أوقات عرض المنافسات الرياضية.
طلبت كأس شاي أحمر جمراً بـ 7 ريالات وجباتي شيبس بـ 6 ريالات.
3 شاي وسمسم
بصراحة لا يمكنني مقاومة هذا الثنائي الشهي: كعك السمسم مع الشاي المنعنع، والجدران العتيقة والديكور الخشبي، فكل هذا يشكل فقاعة تعزلك عن المدينة. وفي وصف المكان، أستعيد ما يقوله كثير من رواده، إذ يرون أن أجواءه تذكرهم بمجتمع السبعينيات. ولا بد لي من الإشارة إلى أن مقهى الشاي الشعبي هذا يسرقك ويذهب بك إلى لحظةٍ لا تهتم خلالها سوى بمحتوى كوبك وبسوالف تتبادلها مع آخرين.
وأثناء جلوسي في "شاي وسمسم"، تذكرت رواد المقاهي التي تقدم القهوة على أنواعها، إذ يأتي إليها هؤلاء بهندامهم الأنيق ويتبادلون أحاديث مضجرة عن الأعمال والإكسل شيت. ولاحظت أن المشهد مختلف تماماً في هذا المكان حيث يبدو الجالسون أقل تكلفاً.
طلبت كوباية شاي صغيرة بـ3 ريال وحبة سمسم بريال واحد.
4 شاي رزق
شاي عراقي، شاي رزق، شاي كشري، شاي رام الله، شاي ما وراء الطبيعة،... لا شك في أن أسماء أصناف محل "شاي رزق" شكّلت صورة المكان في عقلك، وهي صورة صحيحة حتماً. فكل تفاصيل هذا المكان تناسب محل شاي شعبي:
أرائكه الكبيرة، وقائمة طعامه التي تذكرك بنكهة النعناع ما أن تبدأ بتصفحها، وكراسيه الثنائية التي لا يمكن الجلوس عليها من دون فنجان شاي في اليد، وجلساته الأرضية في الدور العلوي... بل إن بقاء المكان مفتوحاً لمدة 24 ساعة يدل أيضاً على إخلاصه للمشروب الذي يحلو طعمه مع حلول الليل.
طلبت شاي رام الله بـ 8 ريالات ومكسرات بـ 5 ريالات.
5 بائع الشاي
لأنني أقدّر التجارب، أرى أن "بائع الشاي" فاز في مسابقة أفضل تجربة.
واللافت هو أن هذه التجربة تحمل بعض لمسات الفخامة، وأن المكان يستقبل رواد المقاهي الذين يتحدثون غالباً عن العمل.
وفي "بائع الشاي" يقدم لك البخور والمكسرات وبسكويت السمسم. وإذا قررت زيارته، لا تعجب لطرح السؤال عن طعم الشاي وعن رغبتك بإعادة التعبئة. وبالطبع، لا تنسَ تأمل ديكور المحل الحجري المميز وكراسيه الخزفية والخشبية وآرائكه. فكل هذه التفاصيل تجعل الزيارة تجربة في ذاتها.
طلبت كأس شاي صغيراً بـ 17 ريالاً فقُدم لي معه ما ذكرت من أنواع الضيافة، وأصّر باعة الشاي على إعادة ملء كوبي مجاناً لأنها سياسة المكان لا خدمةً خاصة.








