سفر وإقامة

من مدينة عادية إلى وجهة سياحية: بعد 15 عاماً أوثق عودتي إلى جدة المختلفة تماماً

بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على زيارته الأخيرة لعروس البحر الأحمر، يعود الصحافي أورلاندو كروكروفت ليكتشف التحولات الكبيرة التي تشهدها المدينة الساحلية العريقة، حيث يزدهر التاريخ القديم وسط أجواء من التطور المستمر والتغيير الطموح

بواسطة /
15 أبريل 25
من مدينة عادية إلى وجهة سياحية: بعد 15 عاماً أوثق عودتي إلى جدة المختلفة تماماً

من سطح قاعة العرض الرئيسية حيث أقيم بينالي الفنون الإسلامية هذا العام، تتدلى الكسوة، أي الستار الأسود المطرز بلون الذهب والذي يغطي الكعبة المشرفة في مكة المكرمة. وهي أول ما تتوجه إليه نظراتك فور وصولك إلى هذا المكان حيث عُرض الستار الذي يشكل رمزاً للإيمان والإبداع، للمرة الأولى، أمام غير المسلمين. وهكذا، يستمر البينالي حتى 25 مايو المقبل ليشكل كنزاً دفيناً في عالم الفن والثقافة الإسلاميين. مهلاً، الكسوة تخطف الأنظار حقاً!

"بمَ تشعر؟"، تسألني مرشدة سياحية سعودية تظهر إلى جانبي بطريقة ودية وقد رسمت على وجهها ابتسامة. لا شك في أنها تعرف الإجابة.

Orlando Crowcroft Revisits Jeddah 22

في الواقع كنت أتذكّر ريتشارد بورتن، المستكشف والمستعرب الذي عاش في القرن الـ19، والذي كان أحد قلة من الرحالة غير المسلمين الذين زاروا الكعبة. وقد كتب بورتن الذي تميز بلهجته الساخرة وببعده عن التدين: "لم أرَ قط، في أي مكان، ما هو أكثر إثارة للإعجاب من هذا". أما إجابتي فقد لا تكون بنفس القدر من الشاعرية لكنها تعني: "مدهش للغاية".

وبعد؟ للمرة الأولى يمكن غير المسلمين رؤية الكسوة، علماً أنه يتم تغييرها مرة واحدة سنوياً، وتوزيع أجزائها على المساجد حول العالم كهدية. فهنا تتدلى أطرافها الأربعة على جدران صالة الحجاج الغربية حيث يمر الزوار، من السكان المحليين والسياح، معبرين عن ذهولهم بصمت. في الواقع، أدهشت مكة بورتن، وبعد نحو 150 عاماً أذهلتني جدة.

لقاء التاريخ والطموح

من المعارض الفنية إلى الأبنية المرجانية التي أعيد ترميمها في حي البلد القديم حيث تنتشر المشربيات ورواشين النوافذ متعددة الألوان، يروي كثير من مواقع المدينة حكايات عن الماضي والحاضر في آن. ومن سوق العلوي التاريخي حيث يبيع أصحاب الأكشاك الهدايا التذكارية، الكوفيات والأوشحة الملونة، والأثواب والعباءات للسياح وللسكان المحليين، إلى مسجد الشافعي (المسجد العتيق) الذي ما زال يستقبل المؤمنين منذ بنائه قبل أكثر من 1400 عام، تجد هنا ما يناسب الجميع.

وشمالاً، في محيط مسجد الرحمة حيث تكسرت تحتنا الأمواج اللطيفة وحلقت طيور النورس في سماء زرقاء صافية، تم تجديد الكورنيش تماماً وإضافة مطاعم جديدة وممرات مخصصة للدراجات الهوائية والسكوتر الكهربائية إليه. وخلف الأبنية امتد مسار الفورمولا 1 الرائع الذي تم افتتاحه حديثاً وتجهيزه لاستضافة الحدث التالي في أبريل المقبل.

"للمرة الأولى في السعودية؟". طُرح عليّ هذا السؤال في كل مكان ذهبت إليه. "لا"، كنت أجيب، مضيفاً: "أتيت إلى هنا منذ 15 عاماً"، فقيل لي مع ابتسامة ترتسم على الوجوه: "نعم، كان مكاناً مختلفاً حينها". بالطبع، كان كذلك.

جدة: الماضي والحاضر

زرت المنطقة للمرة الأولى في العام 2010، فكان وجهي جديداً بالنسبة إليها. وحينها انتقلت من شنغهاي إلى دبي ولم أكن أعرف الكثير عن الشرق الأوسط. ولم تكن السعودية وجهة يمكن زيارتها بسهولة في ذلك الوقت. لكن حين تمكنت من الحصول على تأشيرة، استفدت من الفرصة وقررت زيارة مكان لم يتح لكثير من الغرباء أن يسافروا إليه.

وهكذا أقمت في فندق البيعة الذي يقع على مقربة من البلدة القديمة. وهو ما زال هناك، وتشير حالة ردهته وموقعه، على الطريق الممتد بين بحيرة الأربعين ومسجد الجفالي اللذين خضعا للترميم، إلى أنه قد لا يواصل العمل لمدة أطول. فقد بدأت بعض الفنادق، ومنها تلك التي تم بناؤها في البيوت المشيدة من الأحجار المرجانية، بالظهور، لتلبي طلبات السياح الذين يتدفقون إلى مدينة البحر الأحمر.

وعلى الجانب الآخر من ميدان البيعة، وقرب حدود الحدائق الهادئة الكائنة على ضفة البحيرة الشرقية، يقع المبنى الذي يضم تيم لاب بوردرليس جدة، المتحف الفني الرقمي المثير للاهتمام. ولا أنسى الإشارة إلى أن ميدان البيعة كان بذاته نقطة عبور عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى المدينة بعد استيلائه على جدة في العام 1925، أي قبل نحو قرن من الزمن.

وخلال ليلتي الأولى، أي في العام 2010، تجولت في متاهة البلدة القديمة، صامتاً ومنسياً. لم أجد مكاناً لتناول الطعام، وأمضيت الليالي وأنا أشاهد مباريات كأس العالم على مساحة على الطريق حيث كان مقهى محلي يقدم الشاي. وحتى ذلك الحين، شعرت بأن في جدة شيئاً مميزاً، وفكّرت في العودة إليها مراراً في السنوات التالية.

تحوّل البلد

Orlando Crowcroft Revisits Jeddah 4

في العام 2014، انضم البلد إلى قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، وأطلقت الحكومة أعمال ترميم الأبنية التاريخية. وخصص ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان مبلغ 13.3 مليون دولار لتجديد 56 مبنى في الجزء القديم من المدينة في إطار رؤية 2030.

وحين زرت جدة مجدداً في يناير الماضي، كان العمل جارياً على قدم وساق، وبدت المدينة كبحر من عمال البناء والرافعات، وكانت أصوات أعمال الحفر والإعمار تُسمع في أرجاء الأماكن ليل نهار. وهكذا انضمت إلى الأسواق القديمة وأكشاك البيع مقاهٍ ومطاعم حديثة تعمل بإدارة سعوديين وتجذب حشداً كبيراً من السياح.

وذات ليلة، وفيما كنت أسير في البلدة القديمة، شاهدتُ جزءًا من الاستعدادات التي كانت تُجرى لإقامة مهرجان بلد بيست الموسيقي العالمي. فقد تمت إنارة الأبنية بأضواء كاشفة متعددة الألوان، فيما كان يتم عرض فنون الشارع على الجدران. حينها كانت الموسيقى تنبعث من مكبرات للصوت عُلقت فوق رؤوسنا، فيما كان السكان المحليون والسياح يجلسون في الساحات العامة ويشربون الشاي ويأكلون طعام الشارع. في الواقع، لا يمكنك التعرف على المكان اليوم. أو بالأحرى، يمكنك التعرف عليه لكنه يبدو مختلفاً جداً جداً.

الحفاظ على روح المدينة

Orlando Crowcroft Revisits Jeddah 24

خلافاً لأماكن أخرى زرتها، لم ترغب السلطات في إزالة قلب جدة القديم لاستبداله بنسخة حديثة. فقد بذلت الجهود من أجل إعادة منازل التجار القديمة الرائعة إلى الحياة. وهكذا بات بإمكان الزوار، أثناء السير في الشوارع ليلاً، مشاهدة الأبنية التي تمت إنارتها بأضواء متعددة الألوان وتزيينها بأنواع فنون الشارع، والاستماع إلى الموسيقى التي تصدر عن مكبرات الصوت المعلقة فوق الرؤوس.

وكما هي الحال في جدة، تتميز هذه المنطقة القديمة بمزيجها الثقافي الذي يذكر بموجات شعوب اختارت المدينة وطناً لها على مرّ الأجيال. فقد أتى كثير من الزوار إليها من أجل الحج وأنفقوا كل ما لديهم من مدخرات للقيام بالرحلة إلى مكة المكرمة ثم قرروا البقاء في جدة لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف العودة.

وقبل أن أغادر إلى المدينة الساحلية، قيل لي إن الحجازيين ينتمون إلى خلفيات متعددة، من أندونيسيا إلى أفريقيا وإلى أماكن أخرى في الشرق الأوسط، وإن هذا يظهر في كل شيء، من الهندسة المعمارية إلى الطعام. سأذكر مثلاً المعصوب، أي بودينغ الموز والخبز الذي يحتوي على المكسرات والكريمة ويزين ببذور السمسم (وبرقائق الذرة في حال اخترتَ النوع الملكي). وكما هي حال كثير من أطباق الحجاز، قلت في نفسي، إنه يمني.

Orlando Crowcroft Revisits Jeddah 17

حتى البيوت المرجانية، حيث تم إنشاء علب النوافذ من الخشب الآسيوي، تعكس دور جدة كمرفأ عالمي على مر القرون.

كذلك تعبر أسماء المتاجر، التي تصطف في السوق، عن تعدد ثقافات المدينة، ما يساعد على توفير السلع الآتية من كل مكان، من الشرق الأوسط وأفريقيا وشبه القارة الهندية. ولا أنسى مجموعة المتاجر السياحية حيث تُباع الحلى المحلية، التوابل والعود.

في الواقع، لم يكن في جدة متاجر لبيع الهدايا التذكارية في العام 2010. فحتى ذلك الحين، لم تكن المدينة مقصداً للزوار باستثناء الحجاج. لكن بحلول العام 2025، أصبح قلب المدينة القديم موطناً لكثير من تلك المتاجر حيث يمكن شراء القطع التذكارية غير العادية: قبعات وأكواب جدة، منتجات نادي الاتحاد، قطع مغناطيس الثلاجات، واللوحات والصور حيث يظهر الملك سلمان بن عبد العزيز برفقة ابنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومؤسس السعودية عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.

وقد زرت أحد هذه المتاجر واشتريت قمصاناً سعودية لأطفالي وقبعة الاتحاد لنفسي. ولأنني بريطاني، سألت عن المكان الأكثر أمناً حيث يمكنني وضع القبعة في الرياض. فأنا أدرك جيداً حجم المنافسة بين المدينتين وبين أندية كرة القدم فيهما.

رؤية قيد التطور

Orlando Crowcroft Revisits Jeddah 12

لاحقاً، جلست خارج موقع البينالي، تحت المظلات البيضاء الكبيرة التي كانت تظلل الحجاج العابرين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وتحدثت إلى الفنان مهند شونو عن التغييرات التي شهدها في بلاده خلال السنوات الـ8 السابقة.

"مبهج جداً أن نرى بلداً يذهب في اتجاه التغيير الاجتماعي السلمي، وخصوصاً في منطقة ترافقت فيها كل التحولات مع المواجهة. أردت أن أكون هناك، أن أعطي صوتي للتغيير وأن أصبح جزءًا منه"، قال لي.

وتحدث شونو عن العلا، المدينة النبطية التي أصبحت حجر الزاوية في جهود تبذلها السعودية لجذب السياح، بعد سنوات من التطوير والحماية.

"قبل 15 عاماً وأكثر، حين زرت العلا، كانت كل المقابر والآثار النبطية مسيجة. ولم تتم صيانة المنطقة كما هي الحال اليوم، فقد كانت الكتابات العشوائية تغطي الجدران في كل مكان، ما يشير إلى أن المواقع كانت مهملة. وبالطبع، لم يكن المبيت هنا أمراً متاحاً، وكان يُنظر إلى هذه الوجهة كبقعة محظورة لا ككنز ثقافي كما هي حالها راهناً"، قال شونو مجدداً وأضاف: "أنظر إليها الآن".

لقد شهدت جدة تحولها الخاص. فإذا ألقيت نظرة سريعة عليها، ستجد أنها ما زالت، رغم التغيير، كما كانت عليه حالها قبل 15 عاماً، بل قبل 500 عام، ما يشكل جزءًا من جمالها الدائم والفريد من نوعه. لكن محطات الدفع عن طريق اللمس، وعربات الغولف التي تنقل السياح في الشوارع، والمسارح الضخمة التي يتم إنشاؤها في الساحات القديمة لاستضافة نجوم الهيب هوب العالميين، ورموز الموسيقى في المنطقة، هي من المعالم الجديدة جداً في المدينة.

في العام 2010 كانت جدة مدينة للعبور. وفي العام 2025 أصبحت تمتلك رؤية واضحة للمستقبل. وما يحدث اليوم في السعودية هو لقاء بين ماضي البلاد وحاضرها في الوقت الفعلي. إنه مشهد رائع: فتعالَ وانظر بنفسك.


تصوير: اسامة جبرتي