يتمتع الشيف كيلفن شيونغ بحضور لافت في عالم الطهو حيث أعاد تشكيله في دبي من خلال نظرته الجريئة والخاصة إلى الطعام.
وينتمي هذا المبدع إلى الجيل الثالث من عائلة صينية – كندية، علماً أنه نشأ في شيكاغو وقدم إبداعاته في مختلف أنحاء أميركا الشمالية، الهند، بلجيكا، وحالياً في الإمارات العربية المتحدة. وتشكل رحلته العالمية هذه أساس أسلوبه المميز، أي طهو (أو طبخ) الثقافة الثالثة، المصطلح الذي يستخدمه لوصف المزج السلس لتقاليد الطهو المتبعة في أماكن عدة يعتبرها موطناً له.
وهو يطبق هذه الفلسفة في مطعم جونز الكائن في وسط دبي، من خلال أطباق تثير الشعور بالحنين إلى الماضي، وتضيف لمسة إبداعية وشخصية عميقة إلى مكوناتها. إذاً لا يعتبر هذا المطعم وجهة لعيش تجربة طعام راقية فقط، بل هو احتفاء بالنكهات العابرة للحدود أيضاً.
ويشتهر مطعم جونز بطرق التقديم الأنيقة والنكهات المعقدة. وهو يوفر لرواده أجواء مريحة، وهنا يمكن هؤلاء الاستمتاع بخيارات القائمة التي تشمل أطباقاً مميزة مثل باني بوري الكركند، مابو بوارتا وغيرهما. والخبر السار هو أن هذا المكان يطل على برج خليفة. سيعجبك حتماً.
إذاً احجز طاولتك وتذكّر أن قائمة الشيف كيلفن تروي قصة نظرته إلى الطعام، ما يعني أنّ لكل طبق ذاكرة خاصة. فقد يكشف حب والدته للبيغل، أو يستعيد بعض لحظات طفولته التي أمضاها في حقول الذرة في تورنتو، أو ربما أسرار إقامته في مومباي.
نظرتك إلى عالم الطهو، أو طهو الثقافة الثالثة، شخصية للغاية. فمتى أدركت أنه يمكنك تحويلها إلى مفهوم يرتبط بالطعام؟
في الواقع لا يمكنني التحدث عن وقت محدد. فهي مسيرة حياة أمضيتها متنقلاً بين الثقافات. لقد كبرت في تورنتو مع أب وأم صينيين، عملت في الولايات المتحدة الأميركية، وأمضيت سنوات في الهند، قبل أن أقيم في دبي. فأنا لم أطل يوماً البقاء في رحاب ثقافة واحدة. وقد أصبح الطعام وسيلتي لبناء الجسور بين هذه العوالم. وحين بدأت أعد الأطباق التي تعكس هذا المزيج، من خلال جمع مكونات أميركا الشمالية وتقنيات الطهو الصينية، شعرت بأن الأمر طبيعي.
وأدركت، لدى رؤيتي رواد المطاعم يتفاعلون مع النكهات بفضول ويشعرون بالارتياح، أن هذه النظرة لا تختصر قصتي فقط، بل تروي قصة عالمية أيضاً. وهكذا تخطى مفهوم طهو الثقافة الثالثة حدود الهوية الشخصية ليصبح مفهوماً خاصاً بالطعام.
قلت إنه لا بد للطعام من أن يروي قصة. فما الطبق الذي يتم تحضيره في جونز والذي يروي قصتك الخاصة؟ ولماذا؟
يشغل طبق الجزر مكانة خاصة في قلبي لأنه يتميز بنكهة تعود بي إلى زمن طفولتي. وكما هي حال كل الأطباق التي تقدم في جونز، يروي طبق رينبو هيرلوم كاروتس قصة رائعة حين يتم تقديمه للضيوف. كما أنه يشكل مثالاً على طريقة الطهو التي أتبعها حالياً وعلى مفهوم طهو الثقافة الثالثة، لأنه يعبر عن الحنين مع حفاظه على نكهات الثقافة الثالثة.
بعد هجرتنا إلى أميركا الشمالية، كانت أمي تعشق تناول البيغل المغطى بالسلمون المدخّن وكريما الجبنة. وتشكل هذه الذكرى جزءًا مهماً من قصتي كشخص كندي ينتمي إلى الجيل الأول ويعيش في منزل صيني اعتاد تناول الأرز فقط. وهكذا وللمرة الأولى رأينا مكونات أميركا الشمالية تُخزّن في مطبخنا. كان الأمر مفاجئاً.
وقد أعدت ابتكار النكهة المدخنة نفسها بشكل نباتي من خلال طبق رينبوو هيرلوم بيبي كاروتس الذي يقدم مع اللبنة المدخنة ويغطى بالجوز المحلّى – وهي طريقة تزيين مميزة لطبق الروبيان بالجوز الصيني الأميركي – وشكل هذا احتفاءً بتراثي الصيني، علماً أنه يتم تقديم هذه الوصفة مع الخبز المخمّر المحضّر بالطريقة المنزلية.
كيف اخترت العناصر الثقافية التي يمكنك جمعها في طبق ما، وكيف فعلت ذلك من دون أن تتخلى عن النكهة الأساسية أو الأصيلة؟
القاعدة الرئيسية هي الاحترام. فأنا لم أمزج الثقافات معاً لتقديم خيارات صادمة. لذا، أتساءل: هل يمكن هذا المكون - أو هذه التقنية – أن يروي القصة التي أريد؟ هل يمكنه أن يؤثر على الذوق؟ فالأصالة لا تعني، بالنسبة إلي، تحضير طبق بالطريقة المعتمدة في بلده، بل احترام جوهره. والشعور الذي ينتابني حين أتناول، أسمع أو أرى شيئاً ما للمرة الأولى هو ما يلهمني. وحين أستخدم الميسو أو الغارام مسالا مثلاً، أحرص على التعامل معهما بعناية تضاهي تلك التي يظهرها مَن نشأ في ظلّ ثقافتهما.
ما الطريقة التي تتبعها لتحويل ذكريات الطفولة، مثل متاهة الذرة في تورنتو، إلى تجربة طعام راقية؟
يبدأ الأمر بالتذكّر: رائحة الذرة الطازجة، ملمس القشرة، حلاوة المذاق – الخوخ والذرة الكريمية. وبعد ذلك أنتقل إلى مرحلة التحليل: ما النكهات أو المشاعر التي يمكنني ربطها بهذه اللحظة؟ وما أن أحصل على الإجابة، أفكّر في الطريقة التي سأعتمدها لتقديم هذا المكوّن للرواد. أتساءل: كيف ستبدو اللقمة المثالية، الطعم، والشعور؟ علماً أن القوام مهم جداً بالنسبة إليّ. وفي ما يتعلق بالذرة، فكّرت بالحلاوة، التدخين، والسخونة. لذا، حرصت على تقديم طبق أنيق ينطوي على ذكريات جميلة. فالطعام الراقي لا يعني بالضرورة الخيارات المعقّمة. لذا، نتحدث في مطعم جونز عن الطعام الممتع.
يشتهر مطعم جونز بطرق التقديم البسيطة والنكهات المعقدة. فكيف تحافظ على هذا التوازن عند ابتكارك طبقاً جديداً؟
أسعى إلى أن يشعر الضيوف بالراحة التامة، لا بالرهبة. لذا، أحرص على أن يبدو الطبق أنيقاً وبسيطاً. وفي المقابل، أصرّ على أن يتنبه هؤلاء، عند تناولهم القضمة الأولى، إلى أن النكهة متعددة الطبقات، وغير متوقعة، بل أفضل مما كانوا يتوقعون.
عملت في مجال الطهو في أميركا الشمالية، الهند، وها أنت تقيم الآن في الإمارات العربية المتحدة. إذاً عشت ثقافات عدة في مختلف أنحاء العالم. فهل من وجهة ترغب في العودة إليها من أجل الطعام فقط؟
من أجل الطعام؟ الهند. فهذا البلد يتميز بمجموعة لا حدود لها من النكهات، التوابل، والتقاليد. إذاً يمكنك أن تمضي حياتك هناك من دون أن تتوقف عن التعلم. فلكل نكهة ولكل منطقة هويتها الخاصة، كما يشكل تناول الطعام تجربة ممتعة للغاية.
كيف أثرت التجربة التي عشتها في جزر المالديف، وخصوصاً في ما يتعلق بالطهو الخالي من النفايات، على نظرتك إلى الاستدامة في عالم الطعام؟
ذهبت وعائلتي إلى المالديف لصيد الأسماك بالخيط تحت المطر. وهكذا اصطدنا أسماك هامور الفراولة والجوبي الأخضر واحدة تلو الأخرى. ولم نستخدم لهذه الغاية الصنارات، بل اعتمدنا طريقة الصيد اليدوي بالخيط. ولاحقاً قطفنا الخضار من حدائق المنتجع، وتابعتُ بدوري حصة طهو تتبع مفهوم صفر نفايات قبل أن أقوم بتحضير ما يصفه ابني بأنه أفضل سمكة تناولها على الإطلاق. وما زلت أتذكّر نهج الطعام المالديفي الهادف.
في الواقع، تعيش المالديف وسط المحيط، وقد عانت لسنوات من مخاطر الصيد الجائر، حيث كانت مياهها تجذب الصياديين المحليين وأولئك القادمين من المناطق المجاورة. وقد دمرت طرق الصيد الصناعية الحياة البحرية، الشعاب المرجانية، وتجمعات الأسماك. ورداً على ذلك، بدأت المجتمعات والمنتجعات باعتماد طرق الصيد التقليدية مجدداً، حيث تقوم على التقاط كل سمكة على حدة كما فعلت بنفسي. وهي عملية بطيئة، لكنها أكثر وعياً إذ تمنع الصيد الفوضوي، وتساهم في حماية البيئة الطبيعية الهشة، وفي الحفاظ على أنواع مثل التونة، الهامور، وأسماك الشعاب. شكل هذا درساً مهماً وفعالاً بالنسبة إلى ابني، بودهي، وبالنسبة إليّ: فإذا أردنا أن تتمكن الأجيال المقبلة من الاستمتاع بهذه المحيطات، لا بد لنا من احترام كل ما نستخرجه من الأرض.
بالعودة إلى قائمة جونز، ما الطبق الذي ولد مباشرة عقب تجربة سفر عشتها؟ هل يمكنك أن تشاركنا قصته؟
يُعتبر طبق باني بوري الكركند من أشهر الأطباق التي يتم تقديمها في المطعم. وقد ولد بعد سفري إلى الهند وإقامتي فيها. فالباني بوري هو أحد أطباق الشارع الهندي، وهو خيار مثالي لوجبة خفيفة وسريعة. وقد استوحيت فكرته من حبي العميق لباني بوري كان يباع لدى تاجر محلي على مقربة من مكان إقامتي في مومباي. واكتسبت خبرة تحضير هذا الطبق نتيجة وقت طويل أمضيته في المطبخ وتناولي الطعام في مختلف أنحاء الهند.
أبهرني فعلاً غنى هذا الطبق البسيط بالنكهات، وعرفت أنه عليّ إعادة ابتكار النكهة ذاتها لكن على طريقتي الخاصة.
في الواقع، أقوم بحشو باني بوري بالكركند المسلوق مع الزبدة، بالأفوكادو، وبجلّ التمر الهندي السائل. ألا تحبّين المحار؟ إذاً سنقدم لك نسخة نباتية من هذا الطبق مع الفطر، وهي لذيذة جداً أيضاً.
ما المكوّن غير المتوقع الذي اكتشفته أثناء سفرك والذي تستخدمه بانتظام؟
السمّاق من الأردن. اكتشفته خلال رحلة قمت بها إلى عمّان حيث أذهلني مذاق طبق الحمص البسيط والغني والذي يقدّم غالباً مع قليل من اللحم المفروم. وقد أضفته إلى قائمة الطعام في جونز أيضاً! وتركز وصفتي الخاصة على استخدام الحمص الخفيف والناعم، حيث أضيف إليه الباذنجان المدخن المشوي على النار مباشرة، ما يتيح لي الحصول على نكهة دخانية عميقة، ثمّ أقوم بقليه مع صلصة هويسين التي تحضر من دبس الرمان للحفاظ على نكهة حلوة لاذعة.
ولمنح الطبق لمسة الأومامي والقوام اللذيذ مع الحفاظ على طابعه النباتي، ابتكر مطبخنا كيما الجوز المطحون لمحاكاة طعم اللحم التقليدي. وهكذا نقدّم هذا الطبق إلى جانب البراتا المحضر على طريقة عربات الشارع. إذاً يمكنك أن تغمسي هذا الخبز في الحمص وأن تستمتعي بالنكهات الغنية والمدخنة وبطعم المكسّرات الرائع.
والجزء الأهم في هذا الطبق؟ السماق الذي أحبه إلى حد كبير والذي أصبح أحد المكونات المفضلة لدي لأنه يضفي على الوصفة نكهة حامضة خفيفة.
في حال أردت افتتاح فرع مؤقت لمطعم جونز في أي مكان من هذا العالم ولمدة أسبوع واحد فقط، أي الوجهات تختار؟
افتتحنا فرعاً مؤقتاً في بانكوك هذا العام وكان ذلك رائعاً. أما في حال كان عليّ تكرار التجربة في مكان آخر، فيمكنني اختيار تورنتو. فأنا أتطلع للعودة إلى موطني ذات يوم ولخوض تجربة متكاملة هناك.
نشأت في مطعم والدك. فما الدرس الذي تعلمته في تلك الحقبة وما زال يرشدك اليوم كطاه ورائد في مجال صناعة الطعام؟
علّمني والدي أن العمل في المطاعم يرتبط بالناس، لا بالطعام فقط. إذاً يمكنك أن تطهو أروع الأطباق، لكنّك لن تتمكن من تحقيق النجاح في حال لم تظهر احترامك لفريق عملك ولضيوفك. أطبق هذا الدرس يومياً. كان بإمكان والدي أن يتذكّر الأطباق المفضلة لدى كل زبائنه وإن لم يعرف أسماءهم. كانت تلك موهبة مدهشة!
تحدثت عن التواضع وضبط النفس لدى الطهاة وخصوصاً الشباب منهم. فكيف تغرس هذه القيم في أوساط فريق جونز؟ وما النصيحة الرئيسية التي تقدمها لهم؟
أحاول أن أكون قدوة. لا أتوقع أن يتصرف فريقي بطريقة مختلفة عن تلك التي أتبعها. فالتواضع ينبع من تذكير كل أفراد الفريق - وأنا أيضاً - بأننا نتعلم بشكل مستمر. أما النصيحة التي أقدمها للطهاة الشباب فهي: استمع أكثر وتكلّم أقل.
كيف أثّر موقعك كأب على نظرتك إلى الطعام؟
حين أحضّر الطعام لابني، أشعر بالسعادة والراحة والصحة. وينعكس هذا بشكل طبيعي على عملي في مطعم جونز. فأنا أفكر بما ستشعرين به عند تناولك طبقاً معيناً، لا بشكله أو بتقييمك له فقط. وابني يعشق القصص، ونحن نحب روايتها في جونز.
ما أفضل تقييم تلقيته من أحد ضيوف جونز؟
زار المطعم ذات يوم أحد أفراد الأسرة الحاكمة، وأرسل إليّ لاحقاً باقة زهور مع ملاحظة كتبها على ورقة رسمية بخط اليد وعبّر من خلالها عن شعور العائلة بالامتنان تجاه الخدمة والأطباق التي قدمت لأفرادها والتي لبّت أذواقهم. في الواقع، ليس الإطراء هو ما ترك الأثر الأكبر في نفسي، بل اختيارهم مطعم جونز دون غيره من مطاعم المدينة، ثم تخصيصهم الوقت لكتابة هذه الملاحظة وإرسالها. لقد علقت الكلمات في ذهني حقاً، وكان ذلك درساً رائعاً، أي أن يخصص أحدهم الوقت للتعبير عن الامتنان. إنه أمر مُعدٍ.
يشكل تصنيف دليل ميشلان تتويجاً لسنوات من التفاني وصقل المهارات والتطوير المستمر. كما أنه يعتبر من أرفع الأوسمة في مجال المطاعم. فهل يمكنك وصف لحظة تحقيق مطعم جونز هذا الإنجاز؟
حين تم اختيارنا من قبل دليل ميشلان، شعرت فوراً بالفخر، بل بالامتنان: الامتنان تجاه أفراد فريقي الذين يبذلون جهوداً كبيرة، وتجاه عائلتي وكل من أرشدني على امتداد مسيرتي.
جونز، بوليفارد الشيخ محمد بن راشد، وسط دبي، دبي
للحجز، اضغط هنا
إنستغرام الشيف كيلفن شيونغ: chefkelvincheung@








