ثمّة شعور بالمتعة الممزوجة بالفضول ينتابك وأنت تشاهد جمال فوضى الحياة اليومية من شرفة ملكية منعزلة. ففي أسفل المكان حيث أجلس يستيقظ مقهى نيويورك، ويمتد طابور السياح على طول شارع إليزابيث (إرزيبيت)، كأفعى تتشكل من عصيّ السيلفي وكتيبات الإرشاد السياحي فيما ينتظر الجميع لحظة الدخول إلى هذا المعلم التاريخ العائد إلى زمن لا بيل إيبوك. وفي الداخل يمتلئ الهواء برائحة الفضة مع الخزف فيما تصدر الأصوات المعبرة عن الدهشة من مئات الزوار الذين يشاهدون السقف المزخرف للمرة الأولى. لكنّني لا أتجول في المكان، بل أجلس في الطابق العلوي، على شرفة ميزانين وايت صالون الخاصة والتي ترتفع إلى حدّ يمكنّني من مراقبة المشهد من دون أن أغرق في التفاصيل.
جلسة في قلب الفخامة
خلال الليل، يستعرض وايت صالون رؤية المطعم للأطباق المجرية التقليدية، ويعيد تصورّها وإعدادها بالاعتماد على تقنيات عصرية. لكنّني حضرت هذا الصباح لخوض تجربة مختلفة: فطور شروق الشمس المميز والذي يتخطى حدود البوفيه التقليدي. وفيما أدهن شريحة من خبز العجين المخمر بالزبدة، يلفت انتباهي سائح يقف في الأسفل ويلتقط صورة لطاولتي بكاميرته محاولاً، كما يبدو، أن يعرف كيف أمكنني الجلوس هنا. والإجابة بسيطة: يمكنك الحجز، لكن عليك أولاً أن تعلم بوجود المكان.
اقرأ أيضاً: مراجعة فندق: أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، المجر
ليلاً أو نهاراً تحت أنظار مارك
في الواقع، يبدو وايت صالون كأنه يختبئ في ظلّ شهرة مقهى نيويورك الكائن في الأسفل. ويساهم في الحفاظ على هذه الخصوصية فريق يدرك أن الفخامة الحقيقية تكمن في غياب التطفل. وحارس هذا اليوم هو مارك فاركاس. قد لا يكون صائباً أن نصفه بالنادل. نعم، يمكن القول إنه كبير مدراء الشرفة وأشبه بموسوعة متنقلة تتضمن تفاصيل المكان.
يتحرك مارك ببراعة قائد أوركسترا ينسق الأجواء بسلاسة من دون أن تبدو عليه علامات الاستعجال. وخلال الليل تتحول هذه المساحة إلى لوحة فنية بديعة – جدران بيضاء وذهبية، أعمدة شاهقة، ثريات براقة، عزف حيّ على البيانو يصاحب قوائم تذوق تتضمن سبعة أطباق. لكن نوبة الصباح تنتمي إلى المكان أيضاً حيث يسوده جو من الأناقة الهادئة. وعند عودته إلى الطاولة، لا يكتفي مارك بتقديم الفطور، بل يروي قصصاً عن تاريخ أعمال الجصّ التي تعلو الموقع، مشيراً إلى تفاصيل لا يمكن رؤيتها من الطابق الأرضي.
الخبز والتقاليد المحلية
ثمّ يأتي دور وجبة الفطور نفسها. ففي مدينة تُشتهر بصباحاتها الثقيلة، تتبنى قائمة سيغنتشر صن رايز مفهوماً حرفياً مدروساً قائماً على الدقيق والتخمير. فالمكان يفضل مخبوزات أوروبا الوسطى لا المعجنات التقليدية، ويتعامل مع الخبز كجزء من التقاليد وليس كإضافة ثانوية.
وتصل سلة الخبز ساخنة، حيث تنبعث منها رائحة الخميرة والصبر. والنجم هو خبز المزارع، حيث يتم صنعه من مزيج قوي من العجين المخمّر الذي يحتوي على الدقيق الأبيض، 80%، وعلى دقيق الجاودار والقمح الكامل، 20%. ويتميز هذا الخبز بقشرته المقرمشة المثالية وقلبه المطاطي ذي النكهة الفريدة والذي لا يحتاج إلى الزبدة. أما النكهة الأكثر غنى فتمكن في العجين المخمّر والذي يحتوي على ستة أنواع من الحبوب، وهكذا يمكن الحصول على خبز بطعم مكثف وغنيّ بنكهة الجوز، علماً أن عملية تحضيره تستغرق 24 ساعة.
وتتميز تشكيلة المعجنات بالقدر نفسه من الدقة، حيث تتجاوز المعايير العالمية من أجل التركيز على خصائص أوروبا الوسطى. وإلى جانب كراوسون الزبدة المثالي، تجذب الأنظار تلك الأشكال الحلزونية – أي حلوى تشيغا المجرية الكلاسيكية. وهنا، يتميز حلزون الكاكاو بلونه الداكن ونكهته الغنية، فيما يتسم حلزون الجوز بقوام مقرمش حلو ذي نكهة ترابية. أما كعكة القرفة والهال، كانلبول، فتتناغم بشكل رائع مع مذاق القهوة القوي.
وهنا أيضاً تقدّم الأجبان باهتمام كبير يضاهي ذلك الذي يظهر أثناء التعامل مع الجواهر النفيسة. وهكذا تتميز جبنة الألب، المعتقة لمدة تراوح بين 30 و90 يوماً، بنكهة حادة تنطوي على مذاق الجوز. أما جبنة غوموليا فتوفر نكهة حليبية رائعة. إلا أن سيدة العرض هي جبنة بوكي بالزعتر، وإلى هذا النوع يضيف حليب أبقار الجبال قاعدة كريمية زهرية تبرز رائحة الزعتر بشكل مثالي.
بعيداً عن الصخب
ومع إشراق ضوء الصباح على الثريات الكريستالية على مستوى النظر (لا يمكن مشاهدة هذا المنظر إلا من هذا الارتفاع)، يرتفع الصخب في الأسفل فيما تتحول في مكاني إلى همسات خفيفة. إنها قيمة وايت صالون الحقيقية. وبعيداً عن خصوصية الموقع والدقة المتبعة في تحضير الطعام، تكمن الميزة الفعلية في التوقّف للحظة في معلم تاريخي. أنت في قلب التاريخ حقاً، لكن بفضل مارك والشرفة، أنت بمنأى عن صخب الحياة.
مطعم وايت صالون في فندق أنانتارا نيويورك بالاس بودابست، المجر
يفتح يومياً من الساعة 12 ظهراً حتى 11 مساءً
كل الصور المرفقة مع هذا المقال من تصوير طارق حجازي








