تشكل ردهات المطارات منصة لانطلاقهم، وممرات الصعود إلى الطائرة مسرحاً لعرض أزيائهم. ويتبادر إلى ذهني الآن ذلك المشهد من فيلم Catch Me If You Can حيث توارى ليوناردو دي كابريو خلف عدد من أفراد طاقم ضيافة بان أميركان المتألق. وقد شكل هؤلاء درعاً بشرياً من البدلات النسائية المؤلفة من تنورة باللون الفيروزي محاكة بإتقان وقبعات بيل بوكس مميزة اشتهرت في حقبة ستينيات القرن الماضي.
ومنذ ما يعرف بعصر الطيران الذهبي، تطوّر دور مضيف (ة) الطيران – لحسن الحظ- إلا أن الموضة ما زالت تسير جنباً إلى جنب مع هذا القطاع. وقد عملت نخبة من المصممين العالميين، ومنهم إيف سان لوران، ديور، بوتشي وفيفيان ويستوود على الارتقاء بتصاميم أزياء الطواقم، حتى أن مصطلح "الزي الموحد" بات لا يعبر بدقة عنها. فبدلاً من ذلك، تحولت هذه الأزياء إلى تجسيد ملموس ورمز حيّ للمكانة والتميز يشكل علامة فارقة خاصة بكلّ من شركات الطيران الحديثة بناءً على أسلوبها ومستوى خدماتها.
اقرأ أيضاً مَن هم موظفو الفنادق الأكثر أناقة في العالم؟
وخلف هذا المظهر المتألق، يختبئ عمل شاق ومتطلب. فالهواء الجاف، إضافة إلى الجهد البدني، وإرهاق الرحلات الطويلة، والتعامل مع مسافرين دائمي التنقل يصعب إرضاؤهم، أمور تجعل الحفاظ على إطلالة أنيقة أمراً صعباً على ارتفاع 35.000 قدم. ورغم هذا يتعين على طاقم الطائرة أن يجمع الموضة والشكل والوظيفة لينسجم وأجواء عالم الطيران.
إذاً لنلقِ نظرة عن كثب على بعض خيارات الأزياء المفضلة لدينا والتي تعيد صياغة مفهوم الموضة في الأجواء:
طيران الرياض
بالطبع، تبدأ الانطلاقة نحو التميز والأناقة الراقية من الوطن. فقد صممت طيران الرياض أزياء طاقمها بالتعاون مع المصمم السعودي المبدع، محمد آشي، المؤسس والمدير الإبداعي لآشي استوديو، دار الأزياء السعودية الشهيرة في باريس. وإذ يشتهر هذا المصمم بإبداعاته الفخمة التي تجمع بسلاسة الأشكال العصرية والأقمشة عالية الجودة، لم يكن مفاجئاً أن يتم عرض أزياء طاقم طيران الرياض للمرة الأولى خلال أسبوع الموضة في باريس في العام 2024. وقد أصبح اللون الأرجواني الغني سمة مميزة للمجموعة التي تستلهم ألوانها من حقول الخزامى (اللافندر) المنتشرة في شمال المملكة العربية السعودية، ما يشير إلى ارتباطها الوثيق بهوية العلامة البصرية.
ترتدي المضيفات قطعاً مستوحاة من عالم نحنّ إليه: سترة ذات ياقة مرتفعة (بوت نك) وأكمام تصل إلى المرفقين، وتنورة عملية ضيقة (بنسل) يصل طولها إلى ما دون الركبتين، كما يمكنهن ارتداء سروال مصمم بالأسلوب نفسه. وتكتمل إطلالة هؤلاء عند صعودهن إلى الطائرة بقبعة أنيقة (بل بوكس)، قفازات من الجلد، وسترة صوف تتميز بتفاصيل مستوحاة من التراث تزيّن الكتف الأيسر. أما رجال طاقم الضيافة فيرتدون بدلة أرجوانية راقية مزيّنة بصفين من الأزرار (دبل برستد)، مع قميص وربطة عنق متناسقين يتميزان بإحدى درجات لون العلامة، فيما توفر سترة ذات ياقة مرتفعة مصممة بأسلوب الكيمونو خياراً بديلاً.
خطوط هاينان الجوية
تتميز أزياء خطوط هاينان بتصاميمها الشهيرة الموقعة من مصمم الأزياء الصيني اللامع، لورانس شو. وقد ظهرت للمرة الأولى بشكل مثير للاهتمام في العام 2017، خلال أسبوع الهوت كوتور في باريس، وجمعت بسلاسة ظاهرة الجماليات الصينية التقليدية وأسلوب الخياطة الغربي لتقديم إطلالة عملية أنيقة. وفي ما يتعلق بالنساء، يضم الزي فستان تشيونغسام عصرياً مع أكمام متوسطة الطول، ومزيناً بنقشات السحب الميمونة، الجبال والأمواج الكلاسيكية. وعند نزولهن من الطائرة ترتدي المضيفات معاطف رمادية فاتحة اللون وذات قصة محددة (الكيب) وياقات مستديرة، وسترات رسمية وقبعات بيريه أنيقة. وفي المقابل، تبدو أزياء الرجال أكثر تحفظاً، وقد استوحيت تصاميمها من الأساليب الغربية، حيث تشمل معاطف خارجية تتميز بصفين من الأزرار وبدلات رسمية تتكون من قطعتين وتتسم بقصات دقيقة وأنيقة. وقد تم تحديث هذا الزي الخاص بالرجال من خلال إضافة لمسة فريدة إليه تمثلت في ياقات الماندرين التقليدية لتتناغم مع الطابع الثقافي الخاص بفساتين النساء.
طيران الإمارات
يُعد زي طاقم طيران الإمارات من الخيارات الكلاسيكية الشهيرة عالمياً، ولهذا الأمر سبب وجيه. وقد كشفت شركة طيران الإمارات أول أزياء طاقم عملها في العام 1985 وظلت ألوان الكثبان الرملية حاضرة في هذا السياق منذ ذلك الوقت. ويتألف زي النساء من بدلة (تنورة وسترة) تتسم باللون البيج الرملي المخطط والذي يناقض لون الأكسسوارات الأحمر، ومنها الحذاء وحقيبة اليد، وبالطبع، أحمر الشفاه الخاص بالعلامة. وتكتمل أناقة هذه الإطلالة من خلال قبعة أنيقة ووشاح أبيض لافت. ولا بد من أن يكتشف أصحاب الملاحظة الدقيقة، أن وشاح الشيفون الذي ينسدل من القبعة يتميز بسبع ثنيات ترمز إلى الإمارات السبع المكوّنة للدولة.
وتضم مجموعة أزياء الرجال بدلة مخططة بلون الشوكولا البني الداكن، وهي تتميز بحواف حمراء تزيّن طيات الياقة، وتنسجم مع قميص أبيض وربطة عنق مخططة بألوان البني، الأبيض، الأحمر، والذهبي. وأثناء تقديمهم الخدمات على متن الطائرة، يرتدي المضيفون الرجال صديرية باللون البيج فيما ترتدي المضيفات صديرية مخططة بلون البيج الرملي فوق قميص أبيض مزيّن بحواف حمراء لينسجم تماماً مع التنورة، علماً أن كل قطع الملابس مصنوعة من مواد عالية الأداء، ومقاومة للماء والبقع.
الخطوط التايلندية
هل تساءلت يوماً عما يحدث لكل تلك المخلفات بعد نزول الركاب من الطائرة؟ حسناً تحول شركة الخطوط الجوية التايلندية أغطية عبوات المياه المستعملة على متن الطائرة إلى قطع فنية – بروش على شكل زهرة الأوركيد.
ويرتدي أفراد الطاقم الزي الوطني المعترف به دولياً عند استقبالهم الركاب وتنقلهم في المطار. وهو يضم بلوزة أنيقة من دون ياقة وتنورة طويلة تلتف حول الجسم. وقد تم تصميم زيّ روين تون التقليدي الخاص بالنساء باستخدام الحرير التايلندي المضاف إلى ألياف معادة التدوير. وتعكس هذه المادة الحديثة التراث الوطني وتوفر مرونة لافتة وسهولة في الحركة وتلتزم بمبدأ الاستدامة في آن. وهي تتكون من الحرير التايلندي التقليدي – 30% - ومن الخيوط المصنوعة من زجاجات المياه البلاستيكية معادة التدوير والتي تم استخدامها على متن الرحلات الجوية. إنه زيّ مستدام، أنيق وعملي.
وما أن تبدأ الطائرة بالتحليق في الجو، تستبدل المضيفات الزي الحريري التقليدي بآخر غربي عصري مفصل بعناية – يضم عادة سترة رسمية أنيقة، بلوزة، وتنورة متوسطة الطول أو سروالاً – ما يجعله خياراً مناسباً للخدمة النشيطة التي تقدم داخل المقصورة. وفي المقابل، يرتدي طاقم الرجال بدلة أنيقة طوال مدة الرحلة، أي من الإقلاع حتى الهبوط. فهم يتألقون، أثناء صعود الركاب إلى الطائرة وعند الإقلاع، ببدلة تتميز بلون رمادي داكن، وربطة عنق بلون البرقوق. وبعد ذلك يقومون بتبديل ملابسهم حيث يختارون سترة بلون البرقوق تكمل القميص ناصع البياض وربطة العنق الأرجوانية والسراويل التي تتسم بلون الفحم الداكن. وهم يجمعون بذلك درجات الألوان الخاصة بشركة الطيران والتي تشمل الأرجواني الملكي، الماجنتا، والذهبي، ما يؤمن انسجام أزياء الطاقم كاملاً.
الخطوط القطرية
ربما لاحظت أفراد طاقم الخطوط الجوية القطرية وهم يتجولون في المطارات مرتدين ملابس محتشمة وأنيقة تتميز بألوان الشركة الفريدة. بالفعل، ترتدي نساء الطاقم بدلة مع تنورة بلون البورغندي الداكن الخاص بالناقل الجوي، فيما تتألق كبار الموظفات بزيّ مشابه باللون الرمادي الأردوازي الأنيق. وقد تم استبدال التنورة الكلاسيكية الضيقة ببنطال مفصل بعناية لافتة، علماً أن المضيفات يرتدين أثناء الرحلة أيضاً بلوزة بيضاء، مع حزام عنابي مناسب. وتكمل هذه الإطلالة قبعة بيضاوية الشكل مستوحاة من طراز كلاسيكي قديم حيث تستقر بأناقة فوق تسريحة الكعكة الراقية والمثبتة بربطة شعر باللون نفسه.
في المقابل، يرتدي المضيفون الرجال بدلة رسمية مكونة من قطعتين مع قميص أبيض ذي أكمام طويلة، وتضاف إليها ربطة عنق مناسبة تتميز بلون البورغندي أو اللون الرمادي – حسب الرتبة الوظيفية. وكما هي حال قبعات النساء، يظهر شعار الشركة المميز، المها العربي، على شارة الكتف متجهاً نحو الجهة الداخلية. وخلال الرحلة، تضاف إلى الزيّ سترة رسمية من دون أكمام لتسهيل الحركة أثناء تقديم الخدمات.
الخطوط الجوية السنغافورية
في العام 1968، صمم مصمم الأزياء الأسطوري، بيار بالمان، زي السارونغ كيبابا المميز الذي أصبح اليوم مرادفاً للخطوط الجوية السنغافورية. بالفعل، ترتدي المضيفات زي كيبايا مفصلاً بدقة، يصل طوله إلى الأرض، علماً أنه مصنوع من قماش الباتيك الذي يعكس تقاليد جنوب شرق آسيا. ويتميز هذا الزي بأربعة ألوان تشير إلى الرتبة الوظيفية: الأزرق لمضيفات الطائرة، الأخضر للمضيفات الرئيسيات، والأحمر لرئيسات الطاقم، والأرجواني للمشرفات على الرحلة. وهكذا تطل "فتاة سنغافورة"، بأناقتها الخالدة ورقيها، كرمز مثالي لكرم الضيافة الآسيوية.
أما أفراد طاقم العمل من الرجال فيرتدون بدلات أنيقة باللون الكحلي تتميز بصف أزرار واحد، وتضم قميصاً باللون الأزرق الفاتح (لون السماء) وربطة عنق مخططة مناسبة. وكما هي حال كيبابا النساء الشهير، يشير لون ربطة العنق المحدد إلى رتبة الموظف ضمن التسلسل الوظيفي الخاص بطاقم الطائرة، إذ يدل الشريط الأزرق التقليدي على المضيفين، فيما يرتبط اللون الأخضر بالمضيفين الرئيسيين.
الخطوط النيوزيلندية
تشكل مجموعة أزياء طاقم الخطوط النيوزيلندية – الموقعة من مصممتها إيميليا ويكستيد التي تعاونت من خلالها مع تي راتغيتو نيتانا، فنان الوشم التقليدي أو تا موكو، احتفاءً بالتراث الثقافي الوطني، وبأرض أوتياروا (نيوزيلندا). وترتكز مجموعة الألوان على الأرجواني الغامق، البنفسجي، والبحري الداكن، وتبتعد في المقابل عن تدرجات الوردي والأخضر. وقد استوحيت التصاميم من تي أو ماوري (عالم ماوري) وثقافة المحيط الهادئ، حيث تدمج نقوشاً مرسومة يدوياً وتروي قصص السكان الأصليين مباشرة من خلال تصاميم الأزياء الراقية.
وبالنسبة إلى المضيفات والموظفات الأرضيات، تتمثل القطعة الأبرز بفستان ذي قصّة خاصة يتميز بلونه الأرجواني الداكن، بياقة غير عادية مصممة بأسلوبtūī knot ونقشة زهرة الكوفاي التي ترمز إلى الحماية والمسؤولية والانتماء. كما توفر المجموعة قميصاً عملياً مزيناً بنقشات بورابورا ويتو التي تمثل النجوم، وبتطريز نجوم ماتاريكي الذي يظهر على الأكمام. ولتعزيز مبدأ الشمولية، يسمح للمضيفات بارتداء السراويل، كما يمكن أعضاء الفريق المنتمين إلى جزر المحيط الهادئ التألق بتنورة إي فايتاغا التقليدية والمصممة بعناية لافتة. أما أفراد الطاقم الرجال فيرتدون بدلات عصرية مزينة بخطوط دقيقة وذات لون داكن، حيث يتم تنسيقها مع قمصان مخططة، ربطات عنق مزينة بالنقشات، وصديرية مخصصة لخدمة الركاب على متن الطائرة. ويرتدي طيارو الخطوط النيوزيلندية بدلة أنيقة باللونين الأسود والفضي تتميز بخطوط دقيقة متباعدة، وببطانة داخلية مزينة بنقشة ريش طائر الكيوي المخفية، علماً أنه تمّ نقش رمز الريشة الشهير على طرف الكم أيضاً.
الطيران العماني
تنضم شركة طيران شرق أوسطية أخرى إلى القائمة. ويجمع الزي الموحد الخاص بأفراد طاقم الطيران العماني الأناقة العصرية والتراث البحري الغني، علماً أنه يركز على اللون الفيروزي اللافت المستوحى من بحر عُمان، وهو لون الصيف المميز في 2026. وترتدي المضيفات سترة أنيقة تتميز بلون موحد وبقصة بيبلوم عند الخصر وبأطراف سفلية واسعة إلى حد ما، ويتم تنسيقها مع تنورة ضيقة مناسبة. ويكمل الزيّ وشاح أنيق ينسدل بانسيابية من القبعات ليغطي الكتف، مع لمسات ذهبية رقيقة. وانسجاماً مع هذا المظهر المصقول والألوان المستوحاة من أعماق المحيط، يرتدي أفراد الطاقم من الرجال بدلات أنيقة مصممة بعناية حيث تجمع اللون الأزرق البحري الداكن والأخضر المائل إلى الأزرق، وصديرية باللون الفيروزي وربطة عنق مناسبة، ما يضمن تألق الفريق بمظهر متناغم وراق.
الخطوط الهندية
في العام 2023، كشفت الخطوط الهندية أحدث مجموعات أزيائها التي تحمل توقيع مصمم الأزياء الهندي الشهير، مانيش مالهوترا. وتعكس هذه الأزياء صورة عصرية لبلد متطور ونابض بالحياة، مع ارتباطها بجذوره وتراثه الثقافي. وتضم المجموعة قطع الساري التقليدي، السترات الرسمية مزدوجة الصدر والأحذية ذات الكعب العالي وأحذية البروغ، ما يعني أنها تجسد رؤية المصمم الشهير للطراز الهندي العصري. وتتضمن لوحة الألوان الأحمر الغامق، البنفسجي الداكن، ولمسات الذهبي، ما ينسجم بشكل مباشر مع الهوية العالمية لعلامة الشركة.
وتُبرز قائمة خيارات المضيفات، الساري العصري الجاهز للارتداء والذي يتميز بتدرج لوني لافت. وقد تم تصميمه ببراعة ليؤمن سهولة الحركة أثناء العمل على متن الطائرة. وترتدي كبيرات المضيفات سارياً تتدرج ألوانه من البنفسجي الداكن إلى العنابي، وسترة باللون البنفسجي الداكن، فيما تتألق المضيفات الأقل رتبة بزيّ تتدرج ألوانه من الأحمر النابض بالحياة إلى الأرجواني، علماً أن التدرج اللوني يشير إلى الرتبة والأقدمية بأسلوب راقٍ. وفي المقابل، يرتدي المضيفون بدلات باندغالا التقليدية ذات التصميم المتقن والألوان المميزة التي تشير إلى مستويات الخبرة المتتالية، فيما يرتدي قادة الطائرات سترة تقليدية، أنيقة، ومزدوجة الصدر مع سروال مفصّل باهتمام.








