سفر وإقامة

ما هي مبادرة "المطار الصامت"؟ وهل تطبقها مطارات السعودية؟

على مدى عقود، اتسمت تجربة السفر عبر المطارات بالضجيج المتواصل: أصوات تنبيه حادة تليها إعلانات يصعب فهم محتواها. لكن الأمور بدأت تتغير...

بواسطة /
20 أغسطس 26
ما هي مبادرة "المطار الصامت"؟ وهل تطبقها مطارات السعودية؟
By muting the relentless barrage of loudspeaker broadcasts, the rise of the ‘silent airport’ is transforming stress-filled transit into an experience that mirrors a high-end hotel lounge

تحدث الشاشات الداخلية الصاخبة، النداءات العاجلة التي توجه إلى الركاب وتدعوهم إلى الوصول إلى البوابات، وتلك التي تذكر أسماء المتأخرين، وتوجيهات السلامة المتكررة، ضجيجاً لا ينتهي داخل جدران المطارات المبنية من الفولاذ والزجاج، ما يبقي الجميع في حالة تأهب دائم، علماً أن هذا الضجيج الصوتي قد يربك معظم المسافرين ويرهق أولئك الذين يعانون من الحساسية السمعية.

لذا، بات المطار الهادئ يشكل تحدياً أساسياً لهذه البنية الصوتية الصاخبة.

فمن خلال التخلي عن البث غير الضروري عبر المكبرات، وجعل الصوت يقتصر على الإعلانات المهمة وحالات الطوارئ، تتجه المطارات نحو استبدال الإزعاج الصوتي بهدوء مقصود. لذا، تنتقل عملية تبادل المعلومات والتحديثات بسلاسة من المكبرات الصاخبة إلى اللافتات الرقمية الدقيقة، والتنبيهات الفورية والخاصة التي ترسلها شركات الطيران عبر الهواتف الخلوية والبريد الإلكتروني. وتضاف إلى هذا شاشات العرض الأنيقة التي تظهر في قاعات الانتظار والتي باتت تقدم عدداً من المعلومات أكبر من ذلك الذي كان يتوفر سابقاً. ويشجع كل من هذه العناصر المسافرين على التنقل في المطار وفقاً لشروطهم الخاصة، مع الحد من العوامل المشتتة للانتباه.

اقرأ أيضاً هل تسأل عن أنظف المطارات في العالم؟ الآن، اعرف الإجابة

ومن خلال إسكات كلّ أصوات البث غير الضرورية عبر مكبرات الصوت، تستعد المطارات لتصبح بيئات أكثر ترحيباً وإمتاعاً.  

ففي عالم مثقل بالمؤثرات، أصبح الصمت عملة نادرة. وبفضل خفض مستوى الصوت، حولت هذه الحركة حتى أبسط رحلات المطارات إلى تجربة أكثر فخامة. وهكذا اختارت صالات الانتظار بوعي تام التخلص من قلق الضوضاء الذي أثرّ على عملية النقل الجوي لسنوات طويلة، حيث باتت تدعو المسافرين إلى الدخول إلى أماكن تشبه ردهة فندق بوتيكي أو قاعة عرض فني خاصة بدلاً من معاناتهم من الفوضى العارمة. 

وتبدو الفوائد النفسية التي تترتب على هدوء المطارات واضحة جداً: تنخفض مستويات الكورتيزول، ويتلاشى الإرهاق الذهني، ويستعيد المسافرون شعورهم بالسيطرة على حياتهم. وبدلاً من التكيّف مع الضوضاء، يمكن هؤلاء تناول الطعام، القراءة، أو التأمل في أجواء من الهدوء النسبي، ما يثبت أن الرفاهية التي يمكن عيشها أثناء تجربة السفر الحديثة لا تقتصر على تناول الطعام الفاخر أو الجلوس في موقع مريح، بل تتخطى هذا إلى استعادة صفاء الذهن.

مراكز السفر الرئيسية تختار الهدوء

المصدر: Unsplash
المصدر: Unsplash
Singapore airport changi via unsplash darren-nunis

بدأت أبرز مراكز السفر العالمية الكبرى اعتماد مبدأ "المطار الصامت".

وكانت مطارات عالمية وأوروبية مثل مطار هيثرو المزدحم في لندن، مطار سخيبول في أمستردام، ومطار ماركو بولو في البندقية، من أوّل المرافق الجوية التي فرضت قيوداً صارمة على البث في صالاتها، ما ساهم في توفير أجواء أقل صخباً حيث حلّت المحادثات الهادئة والإعلانات الرقمية أو المباشرة محلّ الضجيج السائد عند بوابات الصعود. كذلك أضاف مطار شانغي الشهير في سنغافورة، بسلاسة، بروتوكولات الهدوء إلى مرافقه لتنسجم والمحيط الخارجي النباتي الأخضر. وقامت شركات الطيران الرئيسية العاملة في هذه المراكز، ومنها طيران الإمارات، الخطوط الجوية السنغافورية، الخطوط الجوية الملكية الهولندية KLM، والخطوط السعودية، بتكييف الإجراءات المتبعة عند بواباتها لتنسجم وهذه المبادرة، وذلك من خلال الاعتماد على نداءات الصعود المحلية والتنبيهات الخلوية، ما يطلع المسافرين على كل جديد من دون الإخلال بهدوء صالة المطار.

اقرأ أيضاً  هل انتهت معاناة الرحلات الطويلة؟ الخطوط الجوية النيوزيلندية توفر أخيراً أسرّة الدرجة السياحية

وفي الجوار، أصبح مطار دبي الدولي رائداً على المستوى العالمي بعد تطبيقه سياسة "المطار الصامت" في صالاته في العام 2010. وهكذا ألغى المطار آلاف الإعلانات الصوتية الروتينية اليومية، ونجح في توفير أجواء أكثر هدوءًا ورقياً لملايين المسافرين الذين يعبرونه سنوياً.

مطارات السعودية الصامتة

Riyadh King Khalid International Airport Riyadh Airport Terminal 3 copy

تعتمد السعودية أيضاً هذا النموذج كجزء من رؤيتها التي تهدف إلى توفير خدمات ضيافة عالمية المستوى.

وفي مايو 2024، أصبح مطار أبها الدولي، الذي تم افتتاحه جزئياً، أول مركز طيران خال من الضوضاء في المملكة العربية السعودية. وهنا، يقتصر استخدام مكبرات الصوت على التحديثات الضرورية للغاية مثل التأخير لمدة طويلة، إلغاء الرحلات، أو حالات الطوارئ. وفي المقابل، انتقلت عمليات إعلان بدء الصعود إلى الطائرة، الإقلاع، والنداءات الأخيرة، إلى الشاشات الرقمية وشاشات الهواتف أو رسائل البريد الإلكتروني.

وهذا الشهر، أطلق مطار الملك خالد الدولي في الرياض مبادرة المطار الصامت الخاصة به، وذلك بدءًا من الصالة رقم 5 المخصصة للرحلات الدولية والتي خضعت لعملية تجديد مؤخراً. وقريباً، سيتخلى المطار الدولي المزدحم عن إعلانات المغادرة غير الضرورية وسيشجع المسافرين على الاعتماد، بدلاً من ذلك، على لوحات المعلومات الرقمية سهلة الاستخدام وعلى إشعارات الأجهزة الذكية. ويُشكل تطبيق مفهوم الصالة الهادئة في مطار العاصمة الرئيسي المرحلة الحيوية الأولى على مستوى استراتيجية الانتقال إلى بيئة المطار الصامت تماماً. وباعتباره وجهة متنامية وأساسية للسفر المحلي والإقليمي والدولي، يعكس تبني مطار الملك خالد الدولي مبادرة "المطار الصامت"  توجهاً مدروساً نحو تغيير أسلوب تعامل المملكة مع تجربة الضيوف، من خلال الاهتمام أولاً بالراحة وبخيارات السفر الشاملة.

ويدعو تنامي مفهوم الصالات الصامتة إلى إطلاق تساؤل أوسع عن كيفية تصميم المساحات المخصصة للتواصل البشري والتنقل. فمن خلال التخلي عن أجواء الاستعجال المصطنعة التي تسود صالاتها، تعيد المطارات الهادئة إحياء عنصر تفتقر إليه الرحلات الجوية منذ زمن: المشاعر. فحين يسود الهدوء أرجاء المطار، ينفتح الذهن على استشعار المتعة التي سيتم عيشها في الوجهة المقبلة. وفيما يواصل الطيران العالمي تطوره، يثبت الصمت أنه أكثر بكثير من غياب الصوت، وأنه السمة المميزة لفخامة تتطلع نحو المستقبل.