لا تركّز الجهود التي تُبذل في السعودية على جذب عدد أكبر من المسافرين الدوليين فقط. فقد بات السكان أنفسهم يقبلون بشكل متزايد على السفر داخل البلاد، ما حوّل السياحة الداخلية إلى أحد أهم محركات النمو في المملكة.
ومؤخراً، طرأ على هذا الواقع تغيير ملموس، حيث باتت مدن المملكة ومناظرها الطبيعية تكتسب طابعاً مختلفاً وتتبع إيقاعاً جديداً. ويُعد هذا التحول لافتاً، إذ تكتظ مطاعم الرياض بالعائلات التي تستمتع بالوجبات، ويجذب كورنيش جدة السكان والزوار إلى وجهة البحر الأحمر، فيما تشكل شوارع البلد التاريخية، وآثار العلا العريقة خلفية مثالية لعطلات نهاية الأسبوع حيث يستكشف السكان وجهات لم يخطط كثير منهم لزيارتها ولتمضية العطلات في ربوعها حتى وقت قريب.
وتشير أحدث الأرقام إلى سرعة توسع هذا السوق. ففي العام 2025، سجلت المملكة وصول 93.9 مليون زائر محلي، بحسب تقرير الإحصاء السنوي 2025 الذي أصدرته وزارة السياحة. ويقارن هذا الرقم بـ29.3 مليون سائح دولي زاروا البلاد ليصل عدد السياح المحليين والدوليين الإجمالي إلى نحو 123 مليوناً، ما يعني زيادة بنسبة 6% مقارنة مع العام 2024.
اقرأ أيضاً السياحة السعودية تحوّل شعارات معادية للسياح إلى رسائل ترحيب
ازدهار السياحة الداخلية
لا تظهر أيّ علامات تشير إلى التراجع على مستوى الطفرة السياحية التي تشهدها السعودية، إذ يواصل قطاع السياحة الداخلية نموه. فالتحول السياحي في البلاد لا يقوم على جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم فقط، بل يهدف إلى تشجيع المواطنين والمقيمين على رؤية البلاد من منظور جديد ومختلف أيضاً.
وقد سجلت البيانات الأولية التي أصدرتها وزارة السياحة أن الربع الأول من العام 2026 سجل 28.9 مليون سائح محلي، ما يعني زيادة سنوية بنسبة 16%. وبلغ حجم الإنفاق السياحي المحلي 34.7 مليار ريال سعودي، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 8% تقريباً مقارنة مع الربع الأول من العام 2025. كذلك ساهم المسافرون المحليون بنحو 127.1 مليار ريال سعودي (33.9 مليار دولار أميركي) في الإنفاق السياحي خلال العام 2025، تبعاً لمعطيات الوزارة أيضاً. وتقدم هذه الأرقام لمحة واضحة عن مدى ضخامة السوق المحلي وأهميته.
وفي ما يتعلق بالسياحة الداخلية، لم يكن مستغرباً أن تشهد أيام شهر رمضان وعيد الفطر نشاطاً سياحياً ملحوظاً. ففي الفترة الفاصلة بين 16 رمضان و9 شوال، سجلت المملكة وصول 10 ملايين زائر محلي، وزيادة بنسبة 14% مقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق. وبلغ حجم الإنفاق السياحي المحلي خلال هذه المدة 10.2 ملايين ريال سعودي (زيادة بنسبة 5%). وخلال شهر رمضان وإجازة العيد، استضافت مكة المكرمة نحو ثلاثة ملايين زائر محلي، الرياض 1.5 مليون زائر، جدة 1.1 مليون، المنطقة الشرقية مليون زائر بالإضافة إلى أعداد كبيرة استقبلتها العلا ووجهات أخرى ضمن شبكة السياحة الداخلية المتنامية.
وتخطى المسافرون السعوديون المراكز السياحية الرئيسية من أجل استكشاف مناطق المملكة الأقل شهرة واكتشاف كنوزها الخفية. وفي الربع نفسه، أي الربع الأول من 2026، سجلت السعودية ما يقرب من 37.2 مليون زائر (من الداخل والخارج)، وقدّر إجمالي الإنفاق السياحي بنحو 82.7 مليار ريال سعودي. ويدعم هذه البيانات تقرير عن حالة السوق أصدرته شركة كافنديش ماكسويل الاستشارية المتخصصة في قطاعي الضيافة والعقارات في العام 2026. وقد أظهرت أن صناعة السياحة في المملكة حققت مستوى إنفاق هائل بلغ 82.7 مليار ريال سعودي (22 مليار دولار أميركي) في الربع الأول من العام 2026 وحده.
وقد بلغ إجمالي الإنفاق السياحي على مستوى السياح المحليين والدوليين نحو 304 مليار ريال سعودي، وهو رقم قياسي حققته المملكة مسجلة زيادة بنسبة 7% مقارنة مع العام السابق. ومع تسجيل ما يقرب من 29 مليون سائح محلي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2026، تشير الأرقام إلى أن هذا القطاع لم يعد عنصراً ثانوياً في قصة السياحة في المملكة العربية السعودية.
اقرأ أيضاً بالأرقام: السعودية هي إحدى أكثر الوجهات جذباً للمسافرين الصينيين
تغيّر دوافع السفر في المملكة العربية السعودية
لطالما حققت المملكة أرقاماً مهمة في قطاع السفر الداخلي، وخصوصاً في المواقع الدينية.
إلا أن استراتيجية السياحة في البلاد تشهد تحولاً لافتاً. فمع تزايد الاستثمارات والجهود التسويقية التي تهدف إلى تطوير وجهات خاصة تهتم بالترفيه، الثقافة، الطبيعة، فنون الطهو، والعافية، باتت السعودية تقدم خيارات متنوعة وشاملة تلبي تطلعات الزوار المحليين والدوليين. ويبدو هذا التنوع واضحاً من خلال محفظة الوجهات السياحية التي يتم تطويرها في البلاد، إذ تجمع جدة طابع المدينة وواجهتها المطلة على البحر الأحمر. كذلك تدعو العلا زوارها إلى استكشاف الآثار القديمة والمناظر الصحراوية الشاسعة والمعالم الفنية وكرم الضيافة المعاصر في مكان واحد. وفي المقابل، تشهد منطقة البحر الأحمر تطوير جيل جديد من المنتجعات الفاخرة، فيما تواصل الرياض توسيع عروضها الثقافية، الترفيهية وتلك المرتبطة بخيارات الطعام.
والنتيجة: سوق سياحي يتيح خيارات متنوعة لتمضية عطلة نهاية الأسبوع، بدءًا من المنتجعات السياحية الفاخرة والرحلات الثقافية في قلب الصحراء، ووصولاً إلى عطلات المدن أو المغامرات الخارجية التي يمكن القيام بها من دون مغادرة المملكة.
وتساهم الاستثمارات وعمليات تطوير البنية التحتية في جعل الرحلات أكثر سهولة ويسراً. فقد استقبلت مطارات السعودية نحو 140.9 مليون مسافر في العام 2025، منهم 65 مليون زائر محلي، علماً أن عدد الركاب عموماً سجل زيادة سنوية بنسبة 9.6%. ومؤخراً كشفت بيانات صدرت عن الهيئة العام للنقل نمواً ملحوظاً في حركة شبكة الحافلات العامة في المملكة، إذ ارتفع عدد الركاب في الربع الثاني من العام 2026 بنسبة 23.2% حيث قام هؤلاء بنحو 26.34 مليون رحلة. وقد تصدرت العاصمة قائمة النمو، وسجلت وحدها 20.07 مليون رحلة ضمن الرحلات المسجلة.
اقرأ أيضاً بيانات كافنديش ماكسويل تؤكد ازدهار السياحة الداخلية رغم الضغوط
دعماً لرؤية 2030
لا تقتصر أهمية نمو السفر الداخلي على قطاع الفنادق والمنتجعات. فارتفاع أعداد الزوار يعني زيادة الطلب على خدمات المطاعم، المقاهي، شركات تنظيم الرحلات، المرشدين السياحيين، النقل، والمعالم الثقافية والترفيهية، ما يعني شمول الإنفاق السياحي شبكةً أوسع من الشركات والمجتمعات المحلية. ورغم أن الزوار الدوليين يشكلون دائماً جزءًا مهماً من طموحات المملكة السياحية، إلا أن وجود قاعدة متينة من العملاء المحليين يوفر للوجهات المختلفة مصدر طلب إضافياً على مدار العام.
وتظهر أهمية ذلك في طموحات المملكة السياحية المحدثة. فبعد تحقيقها هدفها الأساسي الذي قضى باستقبال 100 مليون سائح محلي ودولي قبل الموعد المحدد لذلك، رفعت السعودية سقف طموحها ليبلغ 150 مليون سائح بحلول العام 2030، علماً أنها سجلت، نهاية العام 2025، نحو 123 مليون زائر.
ولا شك في أن السياحة الداخلية ستشكل جزءًا أساسياً من هذه المعادلة ومن عملية تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030.








